الرّحمة التي تمشي بصمت _ آمنة العروصي
كان يسكن في طرف القرية، في بيتٍ متآكل الجدران، لا يُفتح بابه الخشبي إلا نادرًا. لم يكن يشارك الناس أفراحهم ولا أتراحهم؛ لا يُهنئ مولودًا، ولا يبارك نجاحًا، ولا يقف في عزاء. يمرّ في السوق صامتًا كأن بينه وبين البشر حجابًا حاجزا . كانت النساء يتهامسن كلما مرّ، ويرمقه الأطفال بخوف، ويصفه الرجال بالقاسي المتكبر. ومع ذلك، كانوا يرونه كل صباح ينحني أمام بيته، يملأ أوعية الماء، وينثر الحبوب، ويقسّم الخبز اليابس بعناية، فتلتفّ حوله القطط، ويتبعه كلب أعرج، وتحطّ الطيور غير خائفة قرب قدميه. كانوا يلحظون كيف يلين صوته وهو يخاطبها، وكيف يضمد برفق جرحًا، أو يمسح رأسًا مرتعشًا.
وفي يوم شتوي قاسٍ، اشتدت الرياح وأغلق الناس أبوابهم بإحكام، بينما ظلّ هو خارجًا يجمع الكائنات المرتجفة حوله، حتى وُجد في الصباح ممددًا على عتبة بيته. شيّعه نفر قليل على عجل، لكن القطط بقيت أمام بابه أيامًا، والكلب الأعرج لم يبرح المكان، والطيور ظلت تحوم فوق السطح ثم تعود لتنتظر. وحين دخل بعض الرجال لترتيب البيت وجدوا صندوقًا صغيرًا فيه صورة قديمة لرجل يبتسم وإلى جواره كلب، وعلى ظهرها عبارة باهتة: «الوفاء لا يحتاج كلامًا». خرجوا يتساءلون في حيرة: أكان هو القاسي فعلًا، أم أنهم لم يعرفوا كيف يُبصرون الرحمة حين تمشي بينهم بلا ضجيج؟
آمنة العروصي / المغرب




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات