»نشرت فى : السبت، 14 فبراير 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

أريد أن أنسى (ق ق) _ سنية عبد عون رشو

أريد أن أنسى ...قصة قصيرة

سنية عبد عون رشو


يتساءل الجالسون في المقهى  القريب . من هذا الرجل الغريب الذي  يجوب طرقات   مدينتنا . ؟؟ لعله أخطأ المكان .  لا نعرفه .  ولم نره من قبل  .  كانوا ينظرون اليه باشمئزاز وتوجس . !!  لكنه  لم يعرهم اهتمامه .

انقبض قلبه فقط  لأنهم  يعدونه غريبا  . !!  . وهو أبن هذه الأرض وهذه  الطرقات  . لكنه همس مع نفسه ان  الحق معهم  فقد غيرت السنون   ملامحه  بالتأكيد .  ولكن  المرء ليستحي ان يصفونه بالغريب في بلده .

كان الرجل أهيف ، طويل القامة ، أسمر البشرة ، مجعد الشعر تُنبأ ملامحه عن ذكاءه الحاد .  يرتدي معطفا أسود اللون ويحمل مظلة سوداء أيضا . يوحي منظره بثرائه ويبدو كأنه من الطبقات الأرستقراطية .

كان المطر يهدر كالشلال في  منتصف  الليل . وهو لا يزال في الذهاب والاياب يتذكر ماضيه . ويهمس مع نفسه  : أيها الحمقى لماذا  لا تجرؤون الا على الفقراء  والغرباء . تعسا لكم ولنظراتكم المقيتة . وتذكر الموقف الذي يؤلم روحه دائما وأبدا ومهما مرت السنون .

قبل عشرين عاما مضت . قضاها في بلد الغربة  .  وحين عاد اليوم قصد ديارها  والحي الذي كانت تسكنه . لكنه تفاجأ  ان خريطة  الحي قد تغيرت تماما . ولا وجود لديار أهلها  فقد وجد في مكانه  مبنى ضخما  بأربعة طوابق يزدحم  فيه الناس للتبضع من محلاته المختلفة في بضاعتها  .

وهنا ارتسم أمام ناظريه المشهد القديم الذي انغرس داخل أعماقه السحيقة .   وكيف تقدم لخطبتها حين كان فقيرا .  وهو  يحمل  باقة ورد . اقتطفها من حديقة جاره . لم يسألوه  عن أسمه ولا عن علمه  ولا عن أسرته .

انما سألوه عما يمتلك في البنك  ودائرة  العقار . وكونه  لا يمتلك اجابة  لهذه الأسئلة  .تكوم على نفسه وهو يحتضن باقة الورد  .

وحين أخبروه  ان الحب وحده لا يبني بيتا . تلعثم ولم يجد لهم  اجابة مقنعة   . لذلك  طردوه وأغلقوا بابهم بوجهه.   وتمّ  حبس حبيبته  ومنعها من رؤيته . لكنه سمع استغاثتها وبكائها  . نعم  أحبها كما يحب الفقراء أمانيهم  . ودون  ضمانات  .  وبقلب لا يشوبه الخداع  والزيف  .  لم يذق طعم النوم بعد تلك الليلة العصيبة  والموجعة  .

وفي صباح اليوم  التالي   قرر الفتى  ان يهاجر .  فحمل   حقيبة سفره  تاركا قلبه معلقا على نافذة غرفتها .  وصوتها أبى ان يغادر مخيلته . يسمعه في نومه وفي يقظته .

هاجر الفتى . وهو يقنع نفسه ان البعد سيشفي جروحه   . لذا تزوج من امرأة من بلد الغربة . لكن قلبه ظل وفيا لغياب قديم .

وحين عاد الى مدينته مثل طفل  يعود الى أحضان أمه  . أعياه البحث عنها ليعرف أخبارها فقط  ولا يتمنى سوى ذلك .

ولكن المصادفة  كانت في  محطة القطار  ، التقت عيناه  بعينيّ  امرأة .   دون ان  يدري هل هي  حبيبته  .  أو انها امرأة تشبهها حد الوجع الذي أصابه عند رؤيتها .  فالخطوة نفسها . الألتفاتة نفسها . وتسريحة شعرها  وحتى الهالة المضيئة التي كانت تشع منها .  تساءل مع نفسه :  يا ترى كيف لم تتغير ملامحها  ودون ان تظهر عليها علامات السنين  .

ظل واقفا مبهوتا في مكانه  بينما سارت هي في طريقها دون ان تعبأ بنظراته وكأنها لا تراه ولا تعرفه . خفق قلبه  ،  وكأنهما  بالأمس قد  افترقا تذكر الماضي بكل تفاصيله  وسمع صوت استغاثتها وبكائها  ،  ونظرات عينيها الوديعتين    . انحدرت دموعه  الحارة فوق  خديه  . تنفس الصعداء ثم لزم الصمت .

لكنه قرر ان  يتبعها وان كانت ليست حبيبته  . دون ان يدري  لماذا .!!

ليس  بدافع الفضول بل بدافع  شوقه لتلك الحبيبة الغائبة   . اجتازت المرأة  طرقا  كثيرة  وهو خلفها بخطوات متقاربة   ثم استدارت نحو شارع ضيق في حيّ  شعبي   ويا للضوضاء في هذه الأزقة الترابية  .

وهنا تنبه انه  نفس الحي  الذي  كانت  تسكنه أسرته  قديما . نعم لم يتغير  بكل معالمه ،  وبيوته  ، وضجيج  الأطفال ولعبهم  بين الأزقة وانتشار الغبار المتطاير في أجوائه  .  يا الهي   تفوح منه  رائحة افتقدها  ،  رائحة ذكريات طفولته وصباه وأهله الذين رحلوا . ارتجف .  وسارت  قشعريرة هزت  بدنه . وسقطت من يده  سيجارته  ، وكأنه  دخل  الى مكان مقدس . شغله الماضي بحلوه ومره  وهجمت عليه الذكريات تباعا . فبقي مبهوتا لا يدري كيف يتصرف .  حتى كادت سيارة  مارة ان تصدمه وهو يحدق فيها ناسيا حذر  الطريق .

كانت المرأة  تلتفتُ احيانا وكأنها تشعر بثقل خطواته خلفها .

توقفت فجأة . نظرت اليه طويلا ثم ابتسمت بأسى وقالت : ـ أنت تبحث عن امرأة أخرى . أليس كذلك . ؟؟ ... أنا لستُ هي .!!

هذا واضح من حزنك . وحيرتك . واضطرابك .

ثم  توارت عن رؤياه . تجمد في مكانه . عندها ادرك ان عشرين عاما  هو الزمن الذي ضاع  من بين يديه .

وانه لم يكن يبحث عن حبيبته   فقط . بل كان يبحث عن نفسه  أيضا  . يبحث عن الشاب الفقير  الذي  طردوه لأنه  أحب امرأة   بكل معاني الوفاء  .

ابتعدت المرأة  عنه كثيرا .  لم يتبعها هذه المرة . بل أخرج من جيبه  صورة قديمة . باهتة الحواف  لامرأة مبتسمة بجمال وعذوبة  . لم يتحمل  رؤيتها  في كل مرة الا واغرورقت عيناه بالدمع  . لكنه   تيقن اليوم  ان حبيبته هذه  لن تعود . حتى لو عادت المدن . وان الفقر الذي طرده بالأمس  لم يكن فيما يملكه . بل كان بقسوة عقولهم وتحجر قلوبهم  .

وببطء شديد. مزق صورتها  . ومشى في الاتجاه المعاكس  .

وفي قلبه حب لم يمت لكنه اختار ان يبقى مجرد ذكرى .

 

 

 


    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة مجلة ملتقي شعراء العرب 2014 - 2015