الإيمان في زمن الضجيج _ عباس النوري
المقدمة
القارئ العزيز…
هل فكّرت يومًا أنك تعيش في غابةٍ مكتظّةٍ بأصواتٍ لا ترى وجوهها؟
صورٌ تتدفّق، وآراءٌ تتزاحم،
وتطوّرٌ رقميٌّ يسبق قدرتنا على الفهم.
فهل كنتَ تمسك زمام فكرك…
أم أن عواصف الضجيج جرّتك إلى ظلالٍ لا تشبهك؟
ومتى شعرتَ أن الإيمان لا يُسلب دفعةً واحدة،
بل يُخدش بصمت؟
الفصل الأول
ماذا أعني بالضجيج؟
هذا الفصل هو العدسة التي سنرى من خلالها بقية الصفحات.
فالضجيج الذي أتحدث عنه لا يُقاس بارتفاع الصوت،
ولا بعدد الصرخات…
بل بما يتركه في الداخل من تشويش.
إنه ليس ضجيج الأذن،
بل ضجيج المعنى.
ضجيج الصورة
ضجيج الرأي
ضجيج المقارنة
ضجيج التفاهة
ضجيج السرعة
الضجيج هنا لا يُسمع… بل يُعاش.
أولًا: ضجيج الصورة حين تسبق الفكرة
في حياتنا اليومية نصادف صورًا تشدّ انتباهنا،
سواء كانت جميلة أم قبيحة؛
وفي الحالتين نلتفت إليها غالبًا دون تهيئةٍ شعورية،
وكأن العين تسبق العقل بخطوة.
اليوم يحمل معظمنا هاتفًا ذكيًا،
وتدفّق الصور فيه لا يتوقف.
لم تعد الصورة حدثًا…
بل تيارًا مستمرًا.
نرى العائلة في مكانٍ واحد،
لكن كل فردٍ يعيش في شاشةٍ مختلفة؛
تتبدّل الصور بسرعة،
دون تعليق،
ودون اعتراض،
ودون حتى دهشة.
هنا لا يكون الضجيج صوتًا،
بل تزاحم مشاهد لا يمنح الفكرة وقتًا لتولد.
فهل هذه هي الحياة التي نريدها فعلًا؟
أم أننا نعيش ما اعتدنا عليه لا ما اخترناه؟
وهل ما نمارسه كل يوم هو رغبة حقيقية
أم مجرد عادة لم نسألها يومًا: لماذا؟
أنت كفرد…
هل تبحث عن إيمانٍ يطمئنك فقط،
أم عن إيمانٍ ينهض بك؟
إيمانٍ يجعلك مسالمًا مع ذاتك،
نافعًا لمجتمعك،
ومبدعًا… لا ساكنًا؟
ثانيًا: ضجيج الرأي حين يعلو بلا معرفة
الهواتف الذكية، والإنترنت، ووسائل التواصل، والإعلام…
تغمرنا كل يوم بكمٍّ هائلٍ من الآراء والأفكار.
لكن هل خطر في بالك يومًا:
كيف أُميّز؟
ومتى أشك؟
ومتى أُصدّق؟
بعض الآراء تُقدَّم بثقةٍ عالية،
فتربك المتلقي وتدفعه للقبول السريع،
من دون أن يملك عوامل وقايةٍ فكرية.
ونادرًا ما نتوقف لنسأل:
لماذا تُعاد الفكرة مرارًا؟
أهي مجرد وجهة نظر…
أم مصلحةٌ تبحث عمّن يتبنّاها دون وعي؟
ثم سؤالٌ آخر يلحّ:
هل الرأي الصائب صاخبٌ بطبعه،
أم هادئٌ يتقبّله القلب قبل الأذن؟
لم يخترع أحدٌ بعدُ مرشّحًا ينقّي الأفكار من شوائبها،
لكن السؤال الأهم:
هل نملك الوقت الكافي
لنفكّك ما نتلقّاه،
ونأخذ منه ما يناسبنا فقط؟
ثالثًا: ضجيج المقارنة حين تُربك الاختيار
تخيّل أنك أمام وجبتين تحبّهما،
ولك الحق في اختيار واحدة فقط.
كيف ستختار؟
هل تنظر إلى الكمية… أم إلى النوعية؟
قد تساعدك رائحة الطهي،
وشكل المائدة،
وانطباعك الأول.
لكن ماذا لو كان الوقت ضيقًا،
والصور كثيرة،
والآراء متزاحمة؟
هنا لا تصبح المقارنة أداةً للاختيار،
بل عبئًا يربك القرار.
المقارنة في ذاتها مهارة عقلية،
لكن حين تُغمر بالأصوات والصور والآراء،
تفقد بساطتها.
وقد يكون من السهل مقارنة صورتين،
لكن الأصعب هو مقارنة الأفكار؛
لأن الفكرة لا تُرى… بل تُفهم.
عزيزي القارئ،
هل تمتلك طريقتك الخاصة في المقارنة؟
وهل يمكن للإنسان أن يبتكر ميزانه الداخلي
بعيدًا عن ضجيج الخارج؟
رابعًا: ضجيج التفاهة حين تتزيّن بالانتشار
ما التافه؟
في اللغة هو ما قلّ قدره وخفّ وزنه وذهب طعمه.
وفي المفهوم المعاصر هو تقديم السطحيّ في قالبٍ لامع،
حيث يصبح الترفيه السريع بديلًا عن الفكرة المنتِجة.
وقد تحوّلت التفاهة في بعض البيئات
من سلوكٍ فرديّ
إلى نمطٍ عامٍ يكافئ الظهور السريع
ويُهمّش الجهد الحقيقي.
التفاهة لا تكمن فقط في المحتوى،
بل في الانشغال المفرط به؛
في الشهرة بلا مهارة،
وفي الوقت المهدور بلا أثر.
ومع ذلك…
فتمييز التافه ليس مهمة مستحيلة.
فكلما نضج إدراك المتلقي،
أصبح أكثر قدرة على التشخيص السريع.
بين يديك هاتف ذكي،
وصورٌ ومقاطع تتدفق بلا توقف؛
بعضها حقيقي،
وبعضها مُنتَج بإتقان،
لكن التحدي ليس في الرؤية…
بل في الفرز.
كم من محتوى قبلناه سريعًا،
ثم اكتشفنا لاحقًا أنه لم يكن سوى بريقٍ عابر.
والسؤال الأهم:
هل كل ما يلمع يستحق وقتنا؟
أم أن بعض البريق ليس إلا ضجيجًا متنكرًا؟
خامسًا: ضجيج السرعة حين لا تمنح العقل فرصة للفهم
ثمة فرقٌ واضح
بين جيلٍ نشأ على الهدوء والبساطة والتأنّي في اتخاذ القرار،
وجيلٍ يعيش إيقاع السرعة في معظم تفاصيل حياته.
المعلومات تتدفق،
والصور تتبدّل،
والتنقّل بينها لا يحتاج سوى لمسة إصبع.
حتى أصبح الاستعجال عادة،
والتأنّي سلوكًا نادرًا.
الساعات تمضي سريعًا،
والأيام تتشابه،
وكأن الزمن ذاته تقلّص.
لا نسبق الوقت فحسب،
بل نسبق قدرتنا على الفهم.
وهنا يبرز السؤال:
هل نحن نستوعب فعلًا ما نمرّ به،
أم أننا نكتفي بلمسه مرورًا؟
قد يقال إن الجيل الحالي أسرع إدراكًا،
وربما هذا صحيح في بعض الجوانب،
لكن هل تمنحنا السرعة العمق ذاته
الذي كان يولد من التمهّل؟
عزيزي القارئ…
هل تنقّلك السريع بين المعلومات
يمنحك الفائدة نفسها
التي كان يمنحها التأمّل البطيء؟
فالفكرة، مثل البذرة،
لا تنمو في العجلة…
بل في المساحة التي نمنحها لها.
بقلم: عباس النوري العراقي




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات