أنت ذاكرتي _ أيمن الصاوي
من المجموعة القصصية الجديدة
سائِق الْقِطار
دخلت الغرفة فلم تجده ، توقفت الحياة في رأسها للحظة، وتجمد الدم في عروقها، وتسارعت نبضات قلبها وهي تهمس بقلقٍ مرتعش:
_ أين ذهب زوجي عبد القادر؟!
انتقلت بين حجرات البيت كمن يطارد ظلًا، تفتح الأبواب واحدًا تلو الآخر ، تنادي باسمه، ولا يجيبها سوى الصمت .
حين أنهكها القلق ، جلست في صالة البيت تلتقط أنفاسها المتلاحقة.
رفعت عينيها نحو باب المنزل… كان مفتوحًا. أدركت أنه خرج .
ارتدت معطفها على عجل، واندفعت إلى الخارج تحت المطر الغزير والبرد القارس ، كانت تسير كأمٍّ أضاع طفلها في زحامٍ مفاجئ، تتفحص الوجوه، وتوقف المارة:
_ هل رأيتم عبد القادر؟
لكن المطر كان أسبق بالإجابة، يغسل كلماتها قبل أن تصل ، تعثرها المياه ، فتلجأ إلى مظلة شرفة، ثم تعاود الركض ، وفجأة توقفت هناك، في محطة الأتوبيس، رجل يجلس وحده…
خفق قلبها بعنف ، وركضت نحوه ، والدموع تمتزج بمياه المطر على خدَّيها.
اقتربت… ثم أبطأت خطواتها عندما نظرت إليه ، ليس هو عبد القادر .
سقطت على المقعد القريب، وقد خارت قواها.
رفعت بصرها إلى السماء ، تتمتم بدعاءٍ ، فقد بلغ بها الإرهاق حدًا لم تعد تقوى عليه.
وفجأة…
يدٌ تربت برفق على كتفها.
التفتت بعينين أرھقھما البكاء ، فرأته ...
شهقت، واندفعت نحوه كغريقٍ وجد شاطئه، احتضنته بقوة .
ابتسم بحنانٍ يشوبه عتاب خفيف:
_ ألم أقل لكِ يا عائشة ألا تخرجي وحدك؟
رفعت رأسها المرتجف وقالت بصوتٍ مكسور:
_ استيقظت ولم أجدك… شعرت أني وحدي. بحثت عنك في البيت، وعند الجيران، وفي الشوارع… لم أعرف أين أذهب.
تنهد، ومسح على شعرها المبتل بالمطر:
_ يا عائشة… كنتُ في الشرفة، إلى جوارك. قلتِ إنكِ ستذهبين لتستريحي قليلًا قبل أن تأتي ابنتنا وأحفادنا، كما يفعلون كل يوم جمعة.
نظرت إليه بعينين حائرتين، كأنها تحاول جمع أوراق ذاكرةٍ تناثرت. وبصوت خافت :
_ كل شيء يختفي من رأسي فجأة… لا يبقى إلا خوفي أن أكون بعيدة عنك .
شدّها إلى صدره، وأخفى دمعةً خانته:
_ وأنا هنا… كلما نسيتِ ، سأتذكر أنا.
وكلما ضللتِ الطريق ، سأكون بيتك.
سارا معًا تحت المطر، وهو يمسك بيدها بإحكام.
كان يعلم أن المرض لم يسرق منها الطريق… بل سرق الذاكرة.
وأن التيه الذي تعيشه ليس في شوارع المدينة، بل في ممرات عقلها.
ومع كل نسيانٍ جديد ، كان يختار أن يكون ذاكرتها…
وموطنها…
وطريق عودتها.
أيمن الصاوي مصر




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات