الغيمة التي تمطر لا تنتظر التّصفيق (ق ق) _ عبد الرحيم الشّويلي
الْغَيْمَةُ الَّتِي تُمْطِرُ لَا تَنْتَظِرُ التَّصْفِيقَ...!!.
لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ يَتَرَدَّدُ كَثِيرًا فِي الْمَمَرَّاتِ،
لَكِنَّ أَثَرَهُ… كَانَ يَمُرُّ مِنْ هُنَاكَ كُلَّ يَوْمٍ.
دَخَلَ قَاعَةَ الْمُحَاضَرَاتِ بِهُدُوئِهِ الْمُعْتَادِ؛ لَا اسْتِعْرَاضَ، وَلَا حِيَلَ خِطَابِيَّةً تَسْتَدِرُّ الْإِعْجَابَ. يَضَعُ حَقِيبَتَهُ، يَفْتَحُ كِتَابَهُ، وَيَشْرَعُ فِي الْبَيَانِ كَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ عِنْدَهُ عَهْدٌ لَا يُؤَدَّى إِلَّا عَلَى وَجْهِهِ. كَانَ يُحْسِنُ مَادَّتَهُ إِحْسَانَ مَنْ خَبِرَهَا، لَا إِحْسَانَ مَنْ حَفِظَهَا.
فِي كُلِّيَّةٍ اعْتَادَتِ الضَّجِيجَ، بَدَا صَمْتُهُ مَوْقِفًا.
كَانَ زُمَلَاؤُهُ يُجِيدُونَ صَنْعَةَ الظُّهُورِ؛ أَسْمَاءٌ تُقَدَّمُ قَبْلَ الْأَفْكَارِ، وَعِبَارَاتٌ مُطَرَّزَةٌ تُلْقَى فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، وَانْحِنَاءَاتٌ مَحْسُوبَةٌ تَفْتَحُ أَبْوَابًا مَوْصُدَةً.
وَكَانَ هُوَ… يُجِيدُ صَنْعَةَ الْغِيَابِ عَمَّا لَا يَلِيقُ.
وَفِي الِاجْتِمَاعَاتِ، حِينَ تَتَكَاثَرُ عِبَارَاتُ الْمَدِيحِ وَتَتَنَاسَلُ، كَانَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَلِيلًا وَيَقُولُ، بِصَوْتٍ خَفِيضٍ حَاسِمٍ:
"الْمَدِيحُ لَا يَرْفَعُ مُسْتَوَى الْعِلْمِ، كَمَا لَا يَخْفِضُهُ النَّقْدُ إِنْ كَانَ صَادِقًا. فَبِمَ نُقَاسُ إِذًا؟"
يَتَبَادَلُونَ النَّظَرَاتِ.
أَحَدُهُمْ يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً مَشُوبَةً بِالضَّجَرِ:
"نُقَاسُ بِمَا نُحَقِّقُهُ مِنْ حُضُورٍ وَتَأْثِيرٍ، يَا دُكْتُورُ."
فَيُجِيبُهُ:
"الْحُضُورُ الَّذِي يُطْلَبُ لِذَاتِهِ غِيَابٌ عَنِ الْمَعْنَى. أَمَّا التَّأْثِيرُ… فَلَا يُرَى فِي الصُّوَرِ، بَلْ فِي الْعُقُولِ الَّتِي تَغَيَّرَتْ."
يُقَالُ لَهُ:
"لَوْ شِئْتَ، لَكَانَ اسْمُكَ فِي صَدْرِ الْقَوَائِمِ."
فَيَقُولُ:
"لَوْ شِئْتُ، لَكَانَ اسْمِي فِي غَيْرِ مَكَانِي."
وَيُسْأَلُ:
"أَلَا يَعْنِيكَ التَّكْرِيمُ؟"
فَيَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً:
"يَعْنِينِي أَنْ لَا أُكَرَّمَ بِمَا لَمْ أَفْعَلْ، وَأَنْ لَا أَطْلُبَ ثَمَنًا لِمَا يَجِبُ أَنْ يُفْعَلَ."
كَانُوا يَرَوْنَهُ صَعْبًا… وَيَرَى نَفْسَهُ وَاضِحًا.
فِي يَوْمِ الِاحْتِفَالِ السَّنَوِيِّ، ازْدَانَتِ الْقَاعَةُ بِالْأَضْوَاءِ، وَتَوَالَتِ الْأَسْمَاءُ، وَتَعَاقَبَتِ الْأَيْدِي عَلَى الْمِنَصَّةِ، وَتَصَاعَدَ التَّصْفِيقُ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ غَايَةٌ فِي ذَاتِهِ.
لَمْ يَكُنِ اسْمُهُ بَيْنَهُمْ.
لَمْ يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ فِي الْيَوْمِ التَّالِي.
دَخَلَ قَاعَتَهُ، وَبَدَأَ دَرْسَهُ كَعَادَتِهِ؛ جُمْلَةً مُحْكَمَةً، فِكْرَةً تُفْضِي إِلَى أُخْرَى، وَانْضِبَاطًا لَا يُسَاوِمُ.
وَحِينَ انْتَهَى، رَفَعَ أَحَدُ الطُّلَّابِ يَدَهُ، ثُمَّ نَهَضَ، كَأَنَّ فِي صَدْرِهِ أَمْرًا أَثْقَلَ مِنْ أَنْ يُقَالَ جُلُوسًا.
قَالَ:
"يَا أُسْتَاذُ، كُنْتُ أَظُنُّ الْعِلْمَ طَرِيقًا إِلَى الظُّهُورِ، حَتَّى رَأَيْتُكَ تَسِيرُ بِهِ إِلَى الْمَعْنَى. فَدَلَلْتَنِي عَلَى الطَّرِيقِ."
سَادَ صَمْتٌ مُخْتَلِفٌ… صَمْتٌ لَا فَرَاغَ فِيهِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
"إِذَا أَدَّى الْعِلْمُ إِلَى صَاحِبِهِ، فَقَدْ أَضَاعَهُ؛ وَإِنْ أَدَّى بِصَاحِبِهِ إِلَى غَيْرِهِ، فَقَدْ أَدَّاهُ."
ثُمَّ جَمَعَ أَوْرَاقَهُ، وَخَرَجَ.
وَعِنْدَ الْمَمَرِّ، كَانَتْ صُوَرُ التَّكْرِيمِ لَا تَزَالُ مُعَلَّقَةً، تُحِيطُ بِهَا بَقَايَا تَصْفِيقٍ لَا يُسْمَعُ.
مَرَّ بِهَا دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ.
وَفِي الْمَسَاءِ، حِينَ أَرْخَى الْأُفُقُ سِتَارَهُ، كَانَتْ غَيْمَةٌ تَمْضِي فِي صَمْتٍ وَاثِقٍ، لَا تُعْلِنُ عَنْ نَفْسِهَا، وَلَا تَنْتَظِرُ عَيْنًا تُشِيرُ إِلَيْهَا.
وَأَمْطَرَتْ.
أَمَّا الْأَثَرُ… فَيَنْزِلُ صَامِتًا، يَتَسَرَّبُ إِلَى أَعْمَاقٍ لَا تُجِيدُ التَّصْفِيقَ،
لَكِنَّهَا تُجِيدُ أَنْ تُنْبِتَ…
وَمِنْهَا وَحْدَهَا يُولَدُ الَّذِينَ لَا يُصَفَّقُ لَهُمْ…
لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ سَبَبَ التَّصْفِيقِ...!!.
القاص
د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
24.آذار/مارس/2026م.




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات