لقاء الوداع (ق ق) _ عبد النبي عياد
لقاء الوداع
يخيم الضباب على زجاج نافذة القطار فلم أرى غير اللون الأبيض القاتم وبرودة الشتاء تتسللل داخل جسدى؛ الساعة الخامسة صباحاً؛ لم أرى داخل القطار سوى رؤوس أشخاص تختبىء داخل غطاء الرأس فلا أحد بجانبى يتحدث معى لنطوى معاً تلك المسافة البعيدة؛ فلازلت مصرا على أن أطوى خلفى أشياءا لا أريد أن أتذكرها أبدا؛ً فبرودة الشتاء تجعلنى أنكمش داخل ثيابى ليس معى غطاء رأس مثل هؤلاء؛ فأشعلت سيجارة ثم تركتها بين شفتاى كى أغمس كفاى داخل خلجاتى لأخفف عن أطرافى حدة هذا البرد الشديد الذى يتسلل داخل عظامى؛ فإنتابتنى سنة من التفكير فى بعض الأمور؛ فوقعت الجريدة التى كانت معى على الارض إننى لم أشعر بها حتى السيجارة كادت أن تنتهى وتحرق شفتاى لولا أننى شعرت بيد تمتد وتنزعها من بين شفتاى؛ عندئذ إنتبهت؛ وإذا بسيدة ترتدى غطاء الرأس الذى يغطى أيضا جزءاً من وجهها فلم أرى ملامحها جيداً ولكن عذوبة صوتها تشعرنى بجمالها وهى تطلب منى ألا أشعل سيجارة مرة أخرى حتى أستيقظ ثم عادت إلى حيث تجلس فى الجهة المقابلة.
. فكم كنت أود أن أتحدث معها ولكن نظراتى المفاجأة إليها قد أدت بى إلى الصمت؛ ثم بدأت أفيق وأنا أتأملها تبتسم فرائحة عطرها يفوح المكان لم أعد أشعر بالبرودة التى كانت تتسلل داخل جسدى أشعر بأن أفكارى قد تبعثرت حتى سمعتها تسأل عامل القطار الذى قطع الطريق بينى وبينها عن سبب توقف القطار فى هذا المكان حينذاك وكأننى قد أتتنى تلك الفرصة لخلق حوار معها فتوجهت نحوها إنها تجلس بمفردها فجلست فى مواجهتها وأنا أقول فى دعابة.
هلى توقف القطار.
عندئذ ضحكت ضحكة هادئة ولكنها أحدثت بقلبى ضجيجاً من الخفقان ثم أخذت تفرك يديها بعضها البعض لتخفف من حدة البرد رغم أنها ترتدى قفازاً ثم أردفت قائلة.
- لقد غلبك النعاس مرة أخرى.
. وكأن هذا ما كنت أتمناه أن يحدث بيننا رغم أننى لم أكن أفكر فى أمر كهذا ثم أردفت قائلاً وأنا أنظر فى عينيها الوساعتان إننى لم أنم منذ أن رأيت يدك تمتد لتنتزع السيجارة من بين شفتى.فنظرت لى فى ابتسامة قائلة. فكيف إذا لم تشعر بتوقف القطار.
قلت وأنا أنظر إليها وكأنها قد ذكرتنى مرة أخرى بما أردت أن أنساه. فقط لقد راودتنى بعض الأشياء لم أكن أريد أن أتذكرها. ولا أريد أن أشغل رأسك بها. فاعتدلت من جلستها إلى حافة المقعد وكأنها تريد أن تقرب المسافة بيننا قائلة. بالعكس فقد تمنيت أن أجد رفيقاً نتحدث معا كى نقتل هذا الفراغ الساكن طوال هذه الرحلة. ويبدوا أننى قد وجدته. ثم تنهدت تنهيدة عميقة ثم صمت برهة. فأردفت قائلة كأنها تريد أن ترفع هذا الحرج عنى أو أنها تريد أن تفتح مجالاً للحديث. هل أنت مسافر أم عائد.
قلت أنا مسافر إلى الاسكندرية لحضور جلسة مهمة.
إذا أنت محامى.
نعم. أنا فتحى عبد الرحمن محامى.
يا لها من صدفة.
لماذا.
أنا مدام عبير محامية وعائدة من القاهرة.
. أيها القدر لماذا تعبث بى وأنا أحاول نسيان إمرأة خائنة قد أسائت لى وبعثرت ما كان بيننا من حب وسكبت كل الأشياء الجميلة على الارض من أجل رجل آخر إلا أن هذه السيدة جعلت قلبى ينبض مرة أخرى ولكنها فاجأتنى وكأنها تذكرنى مرة أخرى قائلة.
هل أنت متزوج.
قلت فى أسف دون أن أنظر إليها. كنت.
فقاطعتنى مستفسرة. ماذا تعنى. هل.
فقاطعتها قائلاً . لقد ماتت فى حادث سيارة مع صاحبها.
قالت وهى تنظر لى وكأنها قد تفاجئت بتلك العبارة أكان لها صاحب وهى زوجتك
قلت للاسف . ولكنى لم أكن أعلم سوى فى نفس اليوم؛ ولكنها عندما شعرت بأننى قد علمت بهذه العلاقة فأرادت أن تهرب معه فكان جزائهم إنقلاب السيارة.
. ثم بدأ الحوار بيننا يأخذ مساراً آخر لأننى لا أريد التحدث فى هذا الأمر ولكنى لست أدرى لماذا سمحت لنفسى بالاعتراف لها بكل هذه التفاصيل رغم أننا نلتقى للمرة الأولى كما أنها روت لى أيضاً قصة طلب طلاقها من زوجها الذى كان يعشق النساء لدرجة أنه كان يأتى بهم فى فراشها أثناء عملها خارج المنزل.
. فما زال الضباب يخيم على زجاج النافذة وفجأة يتوقف القطار إعلاناً بإنتهاء الرحلة لقد مر الوقت سريعاً كأن سرعته تفوق سرعة هذا القطار وعلى رصيف الاسكندرية وقف كل منا ينظر إلى الآخر قبل أن يتوجه إلى طريقه تواعدنا على أن نتواصل فيما بيننا ومد كل منا يده ليصافح الآخر حينذاك أحسست بالدفىء عندما تشابكت الأيدى وتلاقت النظرات فى شوق على أمل اللقاء مرة آخرى وفجأة أحسست بالبرودة مرة أخرى حين سحبت يدها من بين يدى عندها خفق قلبى لها فسار يودعها وهو يتمنى ألا ترحل .....
بقلمي. عبدالنبى عياد




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات