الشباب وصناعة المستقبل _ جلابي ناجي
ليس المستقبل صفحةً بيضاء تُترك للمصادفات، ولا هو ثمرةُ الأماني التي تُقال في مجالس الحديث ثم تتلاشى مع انقضاء الساعات؛ بل هو بناءٌ طويلٌ تُشَيِّده العقول الواعية، وتنهض به السواعد المؤمنة، وتصونه القيم التي تستقر في الضمائر قبل أن تُكتب في الكتب.
إن الأمم لا تُقاس بكثرة عددها ولا بضخامة أرضها، وإنما تُقاس بمقدار ما تحمل في صدور أبنائها من علمٍ وإيمان، وبما يفيض في عقولهم من وعيٍ ومسؤولية. فإذا اجتمع العلم بالإيمان نشأت قوةٌ لا تهزمها الشدائد، ولا تزعزعها العواصف، لأن العلم يهدي الطريق، والإيمان يمنح القلب ثباته وعزيمته.
ولقد شهد التاريخ لحظاتٍ مشرقةً حين نهضت أمةٌ قليلة العدد عظيمة الإيمان، فحملت نور الهداية إلى آفاق الأرض، لا بسيوف البطش، بل بقوة القيم وعدالة الرسالة. يومها تبدلت حال البشرية، وانقشع كثير من ظلمات الجهل، ووجد الإنسان طريقه إلى الكرامة والعدل.
غير أن الزمن لا يحفظ المجد لمن يكتفي بترديد أمجاد الماضي، بل لمن يجعل من ذلك الماضي وقودًا للحاضر وبوصلةً للمستقبل. فالأمة التي تذكر تاريخها لتبكيه أمةٌ تضعف، أما التي تذكره لتستلهم منه العزم فهي أمةٌ تولد من جديد.
وإن الشباب هم سرُّ هذه الولادة المتجددة. في عقولهم تتشكل الأفكار، وفي هممهم تتجسد الأحلام، وفي أخلاقهم تُصاغ صورة المجتمع القادم. فإذا تربى الشباب على العلم الرصين، وعلى الإيمان الذي يزكي النفس ويهذب السلوك، أصبحوا بناة حضارةٍ لا مجرد شهودٍ على أطلالها.
لكن الخطر الأكبر الذي يهدد الأمم ليس الفقر في المال، بل الفقر في الوعي. فكم من أمةٍ تملك الثروات، لكنها تضيع حين يفقد أبناؤها الثقة بأنفسهم، أو ينساقون وراء تقليدٍ أعمى يطمس هويتهم ويبدد قيمهم. والتقليد الذي يعطل العقل ليس تقدماً، بل هو استبدال تبعيةٍ بتبعية، وضعفٍ بضعف.
إن النهضة الحقيقية تبدأ حين يدرك الإنسان أن الإصلاح يبدأ من داخله؛ من فكره، ومن أخلاقه، ومن صدقه مع نفسه. فإذا صلح الإنسان صلح المجتمع، وإذا استقام الضمير استقامت المسيرة.
ولهذا فإن مسؤولية الشباب اليوم ليست صغيرة؛ فهم ليسوا أبناء الحاضر فحسب، بل حراس المستقبل. عليهم أن يحملوا العلم بجدٍ واجتهاد، وأن يتمسكوا بالقيم التي تحفظ كرامة الإنسان، وأن يجعلوا من العمل الصادق طريقًا لبناء مجتمعٍ أكثر عدلاً ووعيًا.
وعندئذٍ فقط يصبح المستقبل وعدًا صادقًا، لا حلمًا بعيدًا؛ لأن الأمم التي تملك شبابًا مؤمنًا بعلمه، واثقًا بهويته، صادقًا في عمله، هي أممٌ تكتب تاريخها بيدها، ولا تنتظر أن يكتبه لها الآخرون.
جلابي ناجي الجزائر




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات