سيمفونية الألم _ عبير الصلاحي
لطالما انتشينا إثر مداعبة الألحان خلجات أنفسنا الوارفة هناءة . ولكم حلقنا في فضاءات النشوى عقب نقر النغمات طبل آذاننا حين الاقتدار.وما أكثر ما تراقصت أرواحنا دعة وروحا بمصاحبة العزف الآثر وكلماته الفاتنة وقت غياب العجز حين تبت يد المرض عنا .
إلا أنه متى ألمح إلينا أحدهم أن تلك الحالة من السعادة والرضا قد تتحقق بمضاد ما ألفناه واعتدنا عليه ، وأن الألم أيضا لكفيل بأخذنا فوق جناحيه إلى عوالم النشوى الرحبة تلك .وأن ليست الراحة وحدها صاحبة اليد العليا في ذلك ؛لوجدنا أنفسنا نسرع مجيببن بالنفي القاطع وباستحالة الجمع بين النقيضين : (الألم والنشوى).
ولكن متى هدأت ثورة الاستنكار منا وأحكمنا عين التدبر في تلكم القضية أدركنا حينها خطأ حكمنا المطلق سلفا ولاستوقفتنا تلك العلاقة الوثيقة التي قرنت النشوى بالألم في سيمفونية من زاخات الرضا تسربل الروح حين الوجع .
ذلك أننا مع إيلاف النعمة نتجاهل منة الصحة فينا ومع غياب آثار سياط الوجع من باح أيامنا الميمونة نتناسى أداء ضريبة الشكر على ما نحن فيه .
ولما أن وصم الإنسان بأنه "لربه لكنود" فقد جبل على الإنكار و اصحى النسيان له قرينا - فساء قرينا -كان لا مفر من وجوب تذكرته وحتمية ردعه :فها هي عصا الأقدار قد تعهدته بالتهذيب والتقويم ، وإذ بها تهوي به من ذروة الصحة والعنفوان إلى هوة السقم السحيقة
وكلما أمعن في السقوط هطلت على روحه غيوث الحمد لتزيل عن روحه ران السخط تلك التي حجبت عن بصيرته إدراك ما هو فيه من نعم منسية أوجبت عليه السجود شكرا كي يحفظ لنفسه أحقية تنعمه بها .
ومع الخوض متوغلا في بحور الألم أكثر فأكثر وأثناء مغالبته لأمواج الوجع ملتمسا أطواق النجاة إذ بنفسه وقد طرقت أبواب الشفاء جميعها وجابت فيافي عقاقيرها المترامية الأطراف آملة منها انتشالها من جب الوجع السحيق ووضعها مرة أخرى على جادة طريق الشفاء الزاهر أو على أضعف إيمان منه ومنها منحه قسطا من السكينة تلزم وخزات الألم النعاس ولو لبرهة كي يحتسي بعض عمر بلا ألم.
ومع تواتر الحال بين : دعة وفزع ... إقبال راحة وإدبار عناء تهب على دربه صبا الرضا فتذرو ما شاب طرق عمره من حجب التعود على النعمة لتقتلع جذور السخط من نياط فؤاده الناقم سقما .فيهيم خاشعا ملبيا نداء الحمد ساجدا للباري شكرا.أن من عليه بشفاء وأذهب البأس- رب البأس - وقوض صروح اليأس فوهبه شفاء ما غادر سقما حينها فقط تصحب خطواته- راقصة منتشية- نسائم السعادة وكلما تقهقرت جحافل المرض منسحبة من كسمه المسحول وجعا يجد روحه تهيم سعادة تطير فرحا منتشيا بشذا الشفا
وإذ به يقفو إثر ألحان السىور تلك متمايلا مع أنغام الألم الراحلة شيئا فشيئا تبسم لها روحه امتنانا وتهز لها الرأس عرفانا بالجميل؛ذلك أن منحته نشوة الخلاص .وأبرأته من جريرة المرض المسعورة .
حينها فقط تأسره سيمفونية الوجع فتنشي نفسا استنكرت جهلا إمكانية معرفة الأشياء بمتضاداتها.
ولا يجد أمامه سوى أن ينكس الرأس إجلالا يحدوه خجل من جهل تغشاه حين اعتياده النعمة ؛ في حين تغشته أنوار البصيرة بعدما سلب إياها ؛ ليقر ويعترف امتنانا لتلك التي وهبته النشوة المسلوبة وأجرعته بعد الحزن كأسا من هناء إنها :... (سيمفونية الألم )
بقلمي د. عبيرالصلاحي
من كتابي إرهاصات قلم (تحت الطبع)




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات