»نشرت فى : الجمعة، 13 مارس 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

مدينة المُصفّقين _ مرعي حيادري


 مدينةُ المُصَفِّقين

          

(من حكايات الوجدان الإنساني)

      بقلم: "مرعي حيادري"

           

يُحكى أنّ في زمنٍ ليس ببعيد، قامت مدينةٌ عجيبة، لم تكن تختلف في عمرانها عن سائر المدن، غير أنّها كانت تختلف في شيءٍ أخطر: ميزان القيم فيها..

كان في تلك المدينة رجلٌ صادقٌ مستقيم، يعمل بصمتٍ ويقول الحقّ بلا تلوّن. لم يكن يرفع صوته، ولا يجيد صناعة المديح لنفسه، بل كان يؤمن أنّ الخير يُعرَف بآثاره لا بضجيجه. غير أنّ الناس في تلك المدينة لم يكونوا ينظرون كثيرًا إلى الأفعال، بل كانوا يفتنون بالكلمات البراقة..

وفي المقابل، ظهر رجلٌ آخر، بارعٌ في الكلام، واسع الحيلة، يجيد رسم الابتسامات المصطنعة، ويعرف كيف يخاطب أهواء الناس لا عقولهم. كان يمدح هذا ويجامل ذاك، ويوزّع الوعود كما توزّع الرياح الغبار..

شيئًا فشيئًا، التفّ حوله المصفّقون.كانوا كلّما قال كلمةً صفقوا، وكلّما وعد وعدًا هتفوا،

وكلّما بالغ في مدح نفسه رفعوه إلى مقام الحكيم والزعيم..

أما الرجل الصادق، فكان يقف بعيدًا يراقب المشهد في صمت. حاول مرّةً أن يقول كلمة حقّ، لكن صوته ضاع وسط ضجيج التصفيق.

ومع مرور الأيام، صار التصفيق في تلك المدينة لغةً أعلى من الحقيقة، وصار المديح عملةً تتبادلها المصالح. لم يعد الناس يسألون:-من يعمل؟ بل صاروا يسألون: من يتقن الكلام؟

وذات مساء، اجتمع بعض الحكماء القلائل 

عند باب المدينة، فقال أحدهم:- "لم تسقط مدينتنا لأنّ فيها أشرارًا…


فالشرّ موجود في كلّ زمان،،لكنها سقطت لأنّ فيها مصفّقين يرفعون الشرير فوق قدره.."

وأضاف شيخٌ آخر وهو ينظر إلى الساحة المكتظّة بالضجيج:- "إنّ أخطر ما يصيب المجتمعات ليس ظهور المنافق… بل ازدهار السوق التي تشتري نفاقه.."


ومضت الأعوام، حتى اكتشف أهل المدينة متأخرين أنّ كثرة التصفيق لا تصنع مجدًا، وأنّ الضجيج لا يبني وطنًا، وأنّ المجتمعات التي ترفع المتملّقين على الأكتاف…

تجد نفسها يومًا واقفةً فوق أنقاض الحقيقة.

العبرة:- حين يصبح التصفيق بديلاً عن 

الضمير،ويرتفع المنافق بمديح الناس لا بعمله،

تضيع الحقيقة في زحام الأصوات…ويغدو الصادق غريبًا في مدينته..

      

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة مجلة ملتقي شعراء العرب 2014 - 2015