ترانيم الحياة _ طارق غريب
( جليلة ، صوت ينبعث من أعماق الكون الأنثوي
كأنه يولد الآن من رحم الظلمة نفسها
صوت يرتجف ، يعلو و ينكسر ، ثم يعود أقوى
صوت لا مثيل له
يخترق الصدور ويترك فيها جرحاً يغني )
أنا جليلة ، أمشي كأن الأرض ليست أرضاً
بل كائن حي يتنفس تحت قدمي
يهمس لي بسر لا يُسمع إلا في صمتي
أستمع إلى نغمة سرمدية ، نغمة أنثوية خالصة
حارة كدم الولادة الأولى
قديمة كالليل قبل أن يخلق الله النهار
هذا الصوت يشبهني حين أنثني ، حين أضعف
حين أترك جسدي يرتعش كورقة التين الأولى
في جنة لم تُفقد بعد
ويشبهني أكثر حين أتظاهر بالقوة
أقف شامخة كأنني أحمل كل السموات على كتفي المرتجف
بينما أعرف أنني مجرد غيمة رقيقة تتظاهر بالجبل
الحياة لا تُروى ، الحياة تُرتل
ترنيمةٌ أزلية ، مكتوبة بلغة الروح قبل أن تُخترع الكلمات
كل مقطع فيها وجع يتوارثه الجسد عبر الأجيال
ووعد لا يكتمل إلا في اللحظة التي
يصبح فيها الوداع هو الخلاص
أنا أغنيها بصوتي المكسور
وهي تغنيني بصمتها الذي يشبه الموت
موتاً يحمل في طياته كل الحياة التي لم نعشها
( تجلس على الأرض )
أسأل نفسي : هل نحن من نعيش الحياة
أم أنها هي التي تعيشنا؟
أنا التي أظن أنني أختار الطريق
بينما الطريق هو الذي يختارني
يُعيد تشكيل قدمي ، يُطيل أصابعي حتى تصبح مخالب
أنا لست سائرة ، أنا أرض يُمشي عليها
أنا رحم يحمل الكون ثم ينسى أنه ولده
والحياة هي العاشق الخائن الذي يدخلني
أضحك أحياناً ضحكاً يشبه البكاء المقلوب
ضحكاً يهز الجدران الداخلية
ليس لأن الفرح حضر
بل لأن الحزن تعب من احتضاني كطفل جائع
تعب من أن ينام على حجري
تعب من أن يشرب من حليب صدري
تعب من أن يصبح طفلي الوحيد الأبدي
فيترك مكانه فجأة ، فيملأني فراغ كوني أضحك فيه
أضحك كي لا أغرق في الفراغ الذي هو أنا
وأبكي أحياناً دموعاً ثقيلة
دموعاً تذيب الرخام الذي صنعته من جسدي
لا لأنني انكسرت ، بل لأنني لم أعد أحتمل
هذا التماسك المصطنع الذي يجعلني تمثالاً رخامياً أمام العالم
بينما داخلي امرأة تذوب
تتحول إلى نهر من نار يجري نحو بحر لا يعرفه أحد
بحرٍ اسمه ' النسيان '
( تقف وتتوجه ألى مقدمة الخشبة )
في داخلي طفلة لا تزال تصدق أن الغد سيكون أجمل
طفلة تلبس فستان أمي ، تدور في حديقة الروح
تغني للنجوم كأنها سترد عليها
وامرأة كبيرة ، حكيمة وقاسية
تعرف أن الجمال ليس إلا وميضاً قبل أن يتعفن
قبل أن يصبح ذكرى تؤلم أكثر مما تُسكر
بينهما صراع صامت ، أبدي
كأن قلبي ساحة حرب لا تُرى
حيث تتقاتل البراءة والحكمة بالخناجر المصنوعة من الذكريات
وكل طعنة هي درس في الوجود
كم مرة ظننت أنني وصلت؟
وصلت إلى الحب ، إلى السلام ، إلى النهاية الجميلة
التي وعدتني بها الحياة في أحلامها الكاذبة
ثم اكتشفت أنني كنت مجرد عابرة في بداية طريق جديد
طريق يبدأ بابتسامة رجل أو بوعد أو بوهم
وينتهي بجرح في الروح يشبه الولادة المقلوبة
أخرج من نفسي لأدخل في نفسي مرة أخرى
الحياة لا تمنحنا نهايات ، الحياة تمنحنا بدايات متكررة
بوجوه مختلفة ، بأقنعة جديدة
بأسماء تتغير كل مرة كأنها أرواح تتقمص
كل مرة أظن أنني أعرفها
تبتسم لي ابتسامة الخائنة الأزلية
وتهمس : ' تعالي ، فهذه المرة مختلفة '
أتبعها ، كالمرأة التي لا تتعلم ، كالمرأة التي تحب أن تُخدع
( تاخذ المسرح ذهابا ، ثم تلتفت لتعود )
أتعلمون ما هو أصعب شيء في هذا الوجود؟
ليس الألم . الألم يمكن أن يكون حبيباً مخلصاً
ينام معك ، يدفئك و يعلمك . الأصعب هو التعود عليه
حين يصبح جزءاً من صوتك ، من نظرتك
من طريقة مشيك ، من رائحة شعرك بعد الاستحمام
من طعم دموعك على شفتيكِ
حين يصبح الحزن أنتِ لا ضيفاً
بل صاحب المنزل ، بل الملكة التي تحكم كل خلية فيك
ومع ذلك ، لا أكره هذه الحياة.
رغم أنها أخذت مني كل شيء
الطفولة ، البراءة ، الرجال الذين وعدوني بالخلود ثم ذابوا كالشمع
الجسد الذي كان يرقص قبل أن يتعلم الوقوف على أطلاله
ورغم أنها لم تعطني إلا القليل :
لحظات قليلة من النور الذي يحرق أكثر مما يضيء
قبل أن تعود الظلمة وتغلفني كرحم أسود يحتوي على كل النجوم
لأن فيها شيئاً غامضاً ، شيئاً أنثوياً عميقاً
سرمدياً ، يفوق كل فلسفة
شيئاً يجعلني أستيقظ كل صباح وكأنني سأفهمها أخيراً
أمسك بسر الوجود بين يدي
( تمد يدها وكأنها ستمسك شيئاً معلقاً في الهواء )
أمد يدي إلى الشمس ، ألمسها ، أحس بحرارتها تذوب في أصابعي
ثم أكتشف أنني بالكاد فهمت نفسي
أنا اللغز . أنا الترنيمة التي تُغنى لنفسها
أنا الكون الذي يبحث عن نفسه داخلي
ربما نحن لسنا سوى ترانيم عابرة
نرتل بصوت مرتجف في مسرح الكون اللامتناهي
ثم يبتلعنا الصمت الكبير
الصمت الذي كان هناك قبل الكلمة الأولى
والذي سيبقى بعد آخر قطرة دم و بعد آخر تنهيدة
( تجلس على حافة الخشبة )
لكن يكفيني ، يكفيني أنني
ولو مرة واحدة في هذا الوجود اللامتناهي
كنت صوتاً في هذه الفوضى
صوتاً نسائياً ، عالياً ، مكسوراً ، جميلاً إلى حد الرعب
صوتاً يقول : ' أنا هنا '
صوتاً يغني حتى لو كان العالم يصمّ آذانه
حتى لو كانت السماء تتجاهل
(تتوقف ، تتنفس بعمق يهز الخشبة ، ثم تهمس للجمهور الخفي
كأنها تكلم كل روح في العالم )
وإذا سألتموني في النهاية بعد أن يسدل الستار :
' هل كانت تستحق كل هذا الوجع ؟ '
سأجيبكم بابتسامة دامعة
ابتسامة تحمل كل الترانيم التي غنيتها
' كانت تستحق ' ، لأنني كنت أنا ، ولأنني سأظل أنا ، إلى الأبد
الستار يسدل ببطء شديد ، والترنيمة لا تنتهي
تستمر داخل كل صدرٍ يسمعها
طارق غريب - مصر




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات