الوحدة بين النّاس _ وفاء ذاكر
ليست الوحدة أن يجلس الإنسان في غرفةٍ فارغة،
ولا أن يمضي وقته بعيدًا عن الضجيج.
فالوحدة الحقيقية قد تحدث في أكثر الأماكن ازدحامًا.
قد يكون حولك كثير من الوجوه،
أحاديث تدور، وضحكات تتصاعد،
لكن شيئًا في داخلك يبقى بعيدًا عن كل ذلك… كأنك حاضر بجسدك فقط، بينما روحك تقف في مكان آخر لا يراه أحد.
هذه هي الوحدة التي لا يلاحظها الآخرون.
أن تكون بين الناس،
لكن لا أحد يعرف ما يدور في داخلك حقًا.
أن تتكلم، لكن الكلمات لا تحمل المعنى الذي في قلبك.
وأن تبتسم أحيانًا، بينما في داخلك صمت طويل لا يجد طريقه إلى الضوء.
الإنسان لا يحتاج إلى الكثير من البشر حوله حتى لا يشعر بالوحدة.
هو يحتاج فقط إلى شخصٍ واحد يفهمه دون أن يطلب تفسيرًا طويلًا.
شخص يرى التعب في صوته، حتى لو قال إنه بخير.
ويفهم صمته كما لو كان حديثًا كاملًا.
لكن الحياة لا تمنح هذا الفهم بسهولة.
كثيرًا ما يحيط بنا أشخاص يعرفون أسماءنا،
لكنهم لا يعرفون حكاياتنا.
يشاركوننا اللحظات العابرة،
لكنهم لا يرون الأعماق التي تختبئ خلفها.
ولهذا يتعلم الإنسان مع الوقت أن يحمل وحدته بهدوء.
لا يحاول دائمًا أن يشرحها،
ولا يطلب من الجميع أن يفهموها.
بل يكتفي أحيانًا بأن يصادقها قليلًا.
فالروح حين تتعب من البحث عمّن يفهمها،
تتعلم أن تكون لنفسها الرفيق الأول.
ليس هذا هروبًا من الناس،
ولا رفضًا للحياة.
بل نوع من السلام الداخلي الذي يأتي بعد كثير من المحاولات.
وعندها يكتشف الإنسان شيئًا مهمًا:
أن الوحدة ليست دائمًا عدوًا.
أحيانًا تكون المساحة التي نعود فيها إلى أنفسنا،
ونسمع صوتنا الحقيقي بعيدًا عن ضجيج العالم.
ففي تلك اللحظات الهادئة،
نفهم أشياء كثيرة لم نكن نلاحظها من قبل.
نفهم أنفسنا أكثر،
ونفهم البشر أكثر،
ونتوقف عن انتظار أن يكون الجميع قادرين على رؤيتنا كما نحن.
وحين يحدث ذلك،
لا تختفي الوحدة تمامًا…
لكنها تتغير.
تتحول من فراغٍ مؤلم،
إلى مساحة هادئة نعيش فيها بصدق.
فنظل بين الناس كما كنا،
لكننا لم نعد نخاف من تلك المسافة الصغيرة بين قلوبنا وقلوبهم.
لأننا تعلمنا أخيرًا
أن الإنسان قد يكون محاطًا بالعالم كله…
ومع ذلك، يحتاج أحيانًا
أن يجلس قليلًا مع نفسه فقط.
وفاء ذاكر




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات