ما أجمل الصباح 28! _ عوض أحمد العلقمي
بقلم الدكتور عوض أحمد العلقمي
انطلقت في هذا الصباح عند الشروق ، من تلك الواحة الجميلة ، التي تبعد عن خليج عدن ، بخمسة وأربعين كيلومتر ، أو تزيد قليلا ، في الاتجاه الشمالي ، كانت الشمس تقبل خدي ، متسللة من خلال نافذة المركبة الشمالية ، وأشجار النخيل البواسق ، في طوابير منتظمات ، متجاورات أحيانا ، وغير منتظمات ، لكن متجاورات ، في أحايين أخرى ، الأمر الذي جعلني أظن أنهن قد وجدن على تلك الحال ؛ ليستقبلن ويودعن كل زائر لتلك الواحة الجميلة ، تعمدت المرور في طريق ضيق متعرج ، بين الحقول الزراعية الخضراء ، التي ترسم لوحة بديعة ، لا تقل جمالا عن القطائف الفارسية ، ما جعل ظل النخيل في تنافس ملموس مع ضوء الشمس ؛ إذ أجد نفسي في ظل وارف لثوان ، وفي ثوان أخرى أجد نفسي تحت رحمة سهام الشمس ، وكأنها تقول : لن تفلت من قبضتي أيها الصيد الثمين .
انتهيت من الواحة الغناء ، ونفسي حزينة ، لا تريد الفراق ، استقبلني واد فسيح ، تدفع نحوه الواحة ، مازاد عن حاجتها من الفضلات النافعة ، والمياه الرافدة ، تسابق المركبة مياهه الجارية ، أنظر إليها ، وهي تنساب وتترقرق ، باهية بلون التبر ، ومع جريانها إلا أنني لا أسمع صوتها ، وكأنها لا تريد إزعاجي ؛ إذ تخفي خريرها ، في هذه الأثناء ، كان الندى يقطر من الأشجار المشاطئة ، والزراعة تجفف ما تراكم عليها من تلك القطرات ، والهواء مع ضعفه ، وقلة حركته ، إلا أنه كان يتسلل نحو تلك الأشجار ، والمزروعات ، يسترق عبقها ، ثم يدفع بنسمات عطرة ، ذكية ، زكية ، نحو أنفي ، فأرتشفها بشغف ، كالصدي الذي يعب الماء ، بعد أن شارف على الموت من الظمأ ، فأشعر عند ذلك بعود الشباب ، والجسم قد أضحى عامرا بعد خراب ، أما الطيور فقد تشكلت باكرا في أرتال وجماعات ؛ منها التي تردد الألحان على الأغصان المايسات ، وأخرى تبني الأعشاش ، وتتفنن في أتقان الصناعات ، وغيرها تستحضر الطعام لصغارها بالكد والإصرار والإغارات ... إنها مشاهد تأمرني بالعودة ، وتكرار الزيارات ، حقا بمثلها يصقل الفكر ، ويحلق الخيال عاليا في كثير من الفضاءات .




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات