الرهاب الاجتماعي (مقال) _ ورود نبيل
ليس كل صمتٍ هدوء، ولا كل عزلةٍ اختيار، هناك نوع من الصمت يولد من خوفٍ خفي، يتسلل إلى القلب كلما اقتربت العيون، وكلما احتشدت الكلمات في الحلق دون أن تجد طريقها إلى الخارج، هذا ما يُعرف بـالرهاب الاجتماعي؛ ذلك القلق العميق الذي لا يظهر دائمًا بوضوح، لكنه يترك أثره في أدق تفاصيل الحياة.
الرهاب الاجتماعي ليس مجرد خجل عابر، بل هو معركة داخلية تدور في كل موقف بسيط: إلقاء تحية، طرح سؤال، أو حتى الجلوس وسط مجموعة من الناس، يشعر المصاب به وكأن الأنظار كلها مسلطة عليه، تراقب، تحكم، وتنتظر زلّة صغيرة لتؤكد مخاوفه، في تلك اللحظات، يتسارع نبضه، تتعرق يداه، ويرتبك صوته، وكأن جسده يعلن حالة طوارئ لا يفهمها أحد سواه.
ما يجعل هذا الاضطراب أكثر قسوة هو أنه يخلق حلقة مغلقة؛ الخوف يدفع إلى التجنب، والتجنب يزيد الخوف عمقًا، فيبدأ الإنسان بالانسحاب تدريجيًا من المواقف الاجتماعية، ليس لأنه لا يريد الناس، بل لأنه يخشى أن يُرى على حقيقته الهشة، ومع الوقت، قد تتحول هذه العزلة إلى شعور بالوحدة، وربما إلى حزنٍ صامت لا يجد من يفسّره.
لكن الحقيقة التي كثيرًا ما تُغفل هي أن الرهاب الاجتماعي ليس ضعفًا في الشخصية، بل هو نمط من أنماط القلق يمكن فهمه والتعامل معه، فالعقل الذي يبالغ في توقع الأسوأ، يمكن تدريبه على رؤية الاحتمالات الأخرى، والخطوات الصغيرة كالمواجهة التدريجية، وتغيير الحوار الداخلي، وطلب الدعم قادرة على إعادة التوازن شيئًا فشيئًا.
في النهاية، الإنسان الذي يعاني من هذا الخوف لا يحتاج إلى أن يُدفع بقسوة نحو المواجهة، بل إلى مساحة آمنة يتعلم فيها أن صوته يستحق أن يُسمع، وأن وجوده لا يحتاج إلى تبرير، فبعض المعارك لا تُرى، لكنها حين تُخاض بشجاعة، تغيّر حياة كاملة.
الكاتبة: ورود نبيل
الأردن




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات