أصداء الشر (ق ق) _ عبد الله محمد حسن
قصة بقلم عبدالله محمد حسن
مصر
(١)
غابت الشمس متدثرة بحلتها الأرجوانية..كانت السفن المقتربة من الميناء يتضح ضوءها شيئا فشيئا...ثمة سفينة محملة بالحاويات تقف هادئة في مرساها تنتظر الاذن بتفريغ حمولتها قال مندوب الشركة لموظف الجمارك في تافف:-
-لم أري في حياتي العملية بالشركة إنتظار ا كهذا..مضي النهار ونحن مازلنا لم ننتهي من تلك الأوراق الكئيبة
قال موظف الجمارك مهدئا من غضب المندوب في صوت خفيض:-
-إهدأياسيدي..حتي لانثير غبار الشك حولنا لابد أن يأخذ الأمر مجراه الطبيعي
-ثم أردف قائلا وهو يفرك كفيه في طمع:-
-لاتقلق..كل شئ علي مايرام ..الباقي عليكم ياسيدي
قال المندوب مطمئنا له شأن المعتاد علي مثل هذه الأمور:-
-لاعليك..بمجرد إستلامنا للبضاعة سيزورك أحد رجالنا في بيتك ويسلمك مااتفقنا عليه
-ثم إستدرك في ضيق:-
-المهم أن ننتهي اليوم
-في هذه اللحظة جاء أحدهم وسلم الموظف بعض الأوراق نظر فيها ثم إبتسم قائلا:-
-أبشر ياسيد سامي..لقد إنتهت للإجراءات....جهزوا شاحناتكم..لن يأخذ تفريغ المركب الكثير من الوقت
-إستدار سامي ليلقي أوامره لأحد رجاله بتجهيز الشاحنات حتي يتم نقل البضاعة إلي مخازن الشركة قائلا:-
-هيا يارجال..نريد العودة لبيوتنا..لقد تأخرنا كثيرا..كثيرا جدا
-. (٢)
-قاربت الساعة علي منتصف الليل عندما قال أحد العمال لرئيسه المباشر ويمسح بيديه علي ملابسه:-
-لقد تم توزيع الحاويات علي المخازن..تستطيع أن تبلغ سامي بيه بذلك
-قال رئيس العمال :-
-حسنا ساخبره..تستطيعون الإنصراف ولكن بعد التأكد من غلق الأبواب غلقا محكما
-حاضر
-أخرج رئيس العمال هاتفه ..إتصل بالمندوب قائلا:-
-ألو..سامي بيه..لقد تم كل شئ..البضاعة الٱن نائمة في مخازننا بخير
-قال سامي:-
-في أماكنها المحددة سلفا
-لاتقلق..كل شئ.تم كما قلت
--حسنا..أكتب لي أسماء العمال لنكافئهم علي مابذلوه من جهد
قال رئيس العمال متعجبا:-
-إنها ورديتهم ياسيدي
-هذه أوامر رشدي بيه صاحب الشركة ..أفهمت؟
-إبتلع رئيس العمال ريقه بصعوبة ثم قال:-
-فهمت سأدون أسمائهم..أمرك
-أراد أن يكمل حديثه ولكن الهاتف أظهر علامة إنتهاء المكالة
-إلتفت إلي العمال محاولا نسيان سوء أدب المندوب معه مناديا عليهم قائلا:-
-يارجال أحضروا جميعا
ثم أخذ ينظر إليهم ويدون أسمائهم ..ويضيف مااراد دون رقيب سوي من ضمير خربه الخوف وانتظار الفرج المجهول
(٣)
في تمام السابعة من اليوم التالي إستدعي رشدي بيه مندوبه بالميناء سامي أفندي ليستعلم منه عما حدث ليلة أمس .من الواضح أن سامي أفندي لم يرد أن يزعج رشدي بيه..وخاصة بعد أن ظل في الشركة أطول وقت..حتي ينهي مالديه من مراجعات واتصالات بالعملاء لها طابعها الشخصي جدا..دخل سامي أفندي إلي المكتب وهو يلقي كامل السلام والتحية منحنيا وكأنه يقرب قربانا إلي إله من ٱلهة العصور الأولي في التاريخ البشري. إبتسم رشدي بيه من ذلك الإستعراض الذي يقدمه له سامي أفندي كلما دعاه إليه صورة يكررها لاتغادر ذاكرة رشدي بيه حتي إذا ماثارت ثائرته أطفئتها ذاكراته ..إبتسم رشدي بيه لهذا الدرس المتكرر الذي يجدد ذاكرته دائما ثم قال لسامي أفندي وهو يشير إلي الكرسي المقابل لمكتبه قائلا له:-
-إجلس ياسامي ..عرفت مدي ولائك ..فلا داعي من الزيادة
-سيدي لم أرد أزعاج سيادتكم مادام الأمر قد تم كما تريدون
وضع رشدي بيه طرف سبابته في فمه وهو يضم شفتيه ثم قال:-
-هه...قل ماذا حدث
-لاشئ سوي الإنتظار إلي أن إستلمنا البضاعة وقمنا بتخزينها كما أمرتم متفرقة في ثلاجات المخازن
مال رشدي بيه بوجهه قليلا نحو سامي أفندي في حرص ثم سأله قائلا:-
-هل شعر العمال بشئ؟
إبتسم سامي أفندي قائلا:-
-إطمين..كل ماعرفوه أنها شحنة لحوم مجمدة من البرازيل
-حسنا سيأتي التجار الليلة..أريد أن يتم الأمر سريعا وبدون أي ضجيج
قام سامي أفندي وهو يقول في جدية:-
-تمام...سوف أذهب لأخبر العمال بذلك
-ثم إستدرك قائلا:-
-بالطبع سيفرحون مادام هناك قرش زيادة
إبتسم رشدي بيه ثم أشار إليه بالخروج..خرج سامي أفندي وقد إستقر بذهنه شئ واحد..
هل ستمر الليلة بأمان كما أخبره أم أن هذا مجرد كلام لاغير
(٤)
.
دخل موظف الجمارك الكبير إلي شقته بالدور الرابع بإحدي ضواحي المعادي وهو يصفر بلحن لأغنية قديمة ..أغلق الباب خلفه وهو ينادي في خفة وانبساط:-
-سعاد...سعاد
أتاه صوت إمرأة مكتنزة قصيرة من المطبخ سائلة:-
-هل أتيت يامحسن؟
-نعم
ثم إستدرك قائلا:-
-سعاد..هل أحضر أحدهم شئ ما
-أجل..ظرف كبير مملوء بورق البنكنوت
قال مستغربا:-
-ومن أخبرك بأنها نقود؟!
-فضضته فعرفت أنه عمولة ما
-ألم أخبرك بأن تتخلصي من عادة الفضول تلك
-إنني إمرأة ولايصح أن تخبر أمراة بما لاتستطيع
-هز رأسه في ضيق ثم جلس علي الأريكة وهو يقول:-
-ولكني خائف
-دائما أنت خائف من الجديد
-أخاف أن يكشف أحدهم أمر النقود
-ساعتها سيفتضح أمرك..وتدخل السجن بتهمة مرتشي كبير
-وهذا مايقلقني
-الجميع يستغلون وظائفهم
-ليسوا جميعا فهناك ال.. .
قاطعته في حدة لم تسبق من قبل قائلة:-
-لااحد يكره النقود
-أنت شيطانة
-فقط أريد أن أحيا كبقية النساء
-وماذا عن الحلال
-ستتوب بعد أن نشرت
-إننا لن نشبع حتي نموت..وإذا حاولت فهناك من يريدون التخلص مني
-دعك من كل هذا..مضيت في طريق لاعودة منه
ثم قالت:-
-أخبرني كم المبلغ هذه المرة؟
-لم أره بعد
-كيف ألم تتفق عليه من قبل ..أنا أعرفك جيدا
-عل كل حال سنري ..
-أياك أن تلعب بذيلك ..إنني لم أعد المبلغ إنتظرت حتى تأتي
-وماذا في ذيلي..حتي ألعب به ..كل شئ لك يا عزيزتي
دق جرس الباب في عنف ..إضطربت فرائسه..ذهب إلي الباب وهو يجر قدميه جرا.
-
-




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات