ذاكرة الرمال والرجال .. _ محمد الدراجي
في صيف عام 1990. ذلك العام الذي ما زلت أراه عام الشؤم. كنت أعيش أياما أعدها من أجمل ما مر في حياتي العسكرية.
كانت وحدتي الصغيرة في منطقة جلات. تلك البقعة الصحراوية التي تبعد عن ناحية علي الغربي في ميسان نحو ٦٠ كم. هي كبحر من الرمال. كانت جنتي الصغيرة.
وحدتي كانت عبارة عن غرفتين. واحدة لي وأخرى لجنودي الأربعة مع السائق. وكانت لدينا عجلة روسية كبيرة من نوع إيفا نستخدمها لجلب المؤن. وإصلاح عطلات الخطوط. و مطبخي الصغير الذي بنيته بيدي بجانب غرفتي..
كنت مسؤولا عن عمل الاتصالات الخاصة بالقاطع. وكانت الأجهزة تحتاج إلى تبريد دائم، لذلك كانت أجهزة التبريد المركزي تعمل ليل نهار. وقد وضعت منامي ومقري داخل غرفة المعدات. كنت اعيش في عالم يختلف عن العالم الملتهب قيضا بالخارج. ونحن محطة استراحة للقادمين من الحدود لارواحهم المتعبة من الحر اللاهب . ثم يقولون ضاحكين بعد ان ينالوا قسطا من الراحة إنت تعيش هنا بالجنة وسط الصحراء.
وفي يوم كنت قد عدت للتو من اجازتي. وما ان وصلت حتى استقبلني أحد الجنود بوجه متوتر لم أعهده فيه. قال بسرعة سيدي أسمعت الخبر؟
سألته وأنا أضع حقيبتي. شنو السالفة.
قال. الجيش العراقي دخل الكويت.
قد اقشعر جسدي مما سمعت. دخلت غرفتي مسرعا. وفتحت التلفاز. وكانت البيانات العسكرية تتوالى. والأخبار تتحدث عن التعبئة وطلب الاحتياط. وكأن البلاد كلها دخلت فجأة في نفق الحرب مرة أخرى. ونحن لم يمض علينا كثير منذ انتهاء الحرب مع إيران.
لم تمض عشرون دقيقة حتى رن الهاتف. وكان عامل البدالة يقول سيدي آمر الكتيبة يطلب الحديث معك.
وكان المقدم حسن علي عيدان رحمه الله، ذلك الرجل الذي تعلمت منه الكثير، والذي سمعت فيما بعد أنه استشهد عندما تصدى لتنظيم القاعدة بعد سقوط النظام.
سمعت صوته عبر السماعة.
ملازم محمود. فأجبته نعم سيدي.
قال الحمد لله على السلامة. تعال فورا إلى مقر الكتيبة.
اجبته امرك سيدي.
ركبت العجلة وانطلقت نحو مقر الكتيبة الذي كان يبعد قرابة 80 كم. وحين وصلت. سلمني كتاب نقلي إلى وحدتي الجديدة في بغداد، ثم قال بحزم يجب أن تكون هناك اليوم حتما. خرجت وأنا أشعر كأن شيئا ينتزع مني. أوصلني السائق إلى كراج ميسان. ومن هناك بدأت رحلتي نحو بغداد. وطوال الطريق كانت صور جلات تمر أمامي كشريط قديم. غرفتي الصغيرة. وصوت الأجهزة .وجنتي الصحراوية. . واستراحاتي وأمسياتي في وحدة الميدان الطبية مع آمرها الطبيب الرائد. وذلك السلام الغامض الذي كنت أشعر به هناك رغم قسوة المكان.
وصلت إلى بغداد. وفي اليوم التالي تحركنا باتجاه الجنوب حتى وصلنا الى المنطقة الحدودية الفاصلة بين العراق والكويت. وهناك بدأت حياة مختلفة تماما.
وذات يوم. بينما كنت أمارس عملي كالمعتاد. دخل عليِّ رئيس عرفاء الوحدة وقال سيدي أكو أحد المراتب التحق الينا هسه.
قلت له جيبه خلي أشوفه حتى نشوف وين نخليه.
بعد دقائق دخل الجندي وأدى التحية العسكرية. وما ان وقع بصري على وجهه حتى شعرت بشيء يهتز داخلي.
عرفته فورا.
لكنه لم يعرفني.
بقيت احدق فيه بصمت. منتظرا أن يلتقط ملامحي وأن يتذكرني. لكنه ظل واقفا بجمود عسكري.
كان هو نائب العريف إحسان . معلمي القاسي في الكلية العسكرية.
كنت أكرهه آنذاك كرها شديدا. خصوصا حين كان يعاقبني بالقائي في برك الماء والطين وإعادتي الركض عشرات المرات. وتذكرت معه ضابط الصف عبدلله وعريف حسن الذي كنا نحبه. و كان يمازحنا ويجاملنا خارج أوقات التدريب واتذكرحبه لسيارة السوبر التي كانت توزع هدايا الى الضباط ويصفها فحيلة.
أخفيت ابتسامتي وقلت بلهجة صارمة أمام رئيس العرفاء
ليش تأخرت على الالتحاق. المفروض تكون هنا من الساعة الثامنة. وهسه الساعة قاربت الظهر.
ارتبك وقال سيدي هناك سيارات قليلة بالكراج والناس مزدحمة في كراج المسافرين.
فالطرق يومها كانت تعج بالفوضى. لكنني قلت بجدية
خذه للسجن.
تفاجأ إحسان واستدار بصمت مع رئيس العرفاء. وقبل أن يخرج قلت خلّوه قريب منكم ينتظر لحين اكمال اوراقه .
كنت أراقبه بصمت، بينما داخلي يغلي بمشاعر متناقضة. هيبة الماضي وذكريات التدريب. وامتنان دفين لرجل صنع منا ضباطا حقيقيين رغم قسوته.
بعد نحو عشرين دقيقة أمرت باعادته.
دخل واقفا بانتباه كامل.
سألته ألم تكن معلما في الكلية العسكرية؟
قال نعم سيدي.
ما عرفتني؟
تردد قليلًا ثم قال اعذرني سيدي ان لم اعرفك.
ابتسمت اخيرا وقلت أنا محمود سالم كنت طالبا في الكلية.
اتسعت عيناه فجأة وتغير وجهه.
قلت ألا تتذكر ما فعلته بي؟
قال مرتبكا عذرا سيدي لقد كان واجبي.
قلت له نعم صدقت كان واجبك وانت احسنت عملك. اقتربت منه وفتحت ذراعي له وعانقته
ثم التفت إلى رئيس عرفاء الوحدة وقلت له.
اكتب له إجازة خمسة عشر يوما. ومن يرجع خلوه بأي مكان هو يختاره. وأريدك ان تعلم ان أي شخص يمسه كأنه مسني أنا شخصيا.
رأيت الدهشة والراحة في عينيه، وكأن الزمن دار دورة كاملة ليعيد لكل إنسان مكانته.
ثم عاد ليعانقني ويقبلني ويشكرني طويلا.
ذلك اليوم أدركت معنى ما كنا قد تعلمناه صغارا في مراحل الدراسة.
قم للمعلم وفه التبجيلا.
كاد المعلم أن يكون رسولا.
محمد الدراجي
٢٠٢٦/٥/١٥




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات