مدرستنا القديمة _ محمد محجوبي
وأنا طفل صغير أكتشفت بزوغ التراب القديم من بيتنا الطوبي ومن جنبات ممرات ضيقة بعضها ترشفها بساتين متبرجة التين ، وبعضها مطرزة الشمس تستهوي حركات الدواب قطيع تلو قطيع يحرسه راعي بمظله الكبير وكلبه الغليظ المتربص بعيون حادة ، كنت طفلا صغيرا في كل صباح ومساء يمازح التوت بضحكات فيها ياقوت يكتنزه القرويون بين ضلوعهم فيوزعونه حيثما ينتشر الحمام العاشق ، مدرستنا القديمة كانت سيدة الخصوب المحيطة ، اخضرار يعزف فصوله فتتراقص السواقي الفضية ، تليها أشجار التفاح ثم الكروم المتآنسة الدفء والندى ،
وتلك المزرعة القديمة التي أرخت أدغال الرعيل تلو الرعيل تقول لك : أن أقداما فولاذية مرت من هنا ، وأن عطر من ثياب الأهالي المهلهلة لا يزال يحفر في روح القرية ذكريات الجبل الفارع الغابات على تسلق القمم الهائجة الغيم ، كنا أطفالا نحيك خيوط الضوء من شامة الجبل مرورا على وجنات السهول حتى نلبس تلك المزرعة العروس فستانا شمسيا يغطي كل مسافاتنا التي توشوش بأريجنا الطفولي .
كانت المدرسة هي الشروق المعشوق وهي الغروب المصقول بذهب الأصيل المدلل ،
وأنا طفل صغير يشرب المحفوظات من شعراء شرقيين ويقرأ النصوص من أدباء غربيين آوي إلى فراش تلك النصوص كأنها ظلال تغطي غفوات القرية الهائمة ،
كانت مدرستنا هيكل معدني يقرأ وجوهنا كل صباح عند مدخل كأنه مدخل العالم السابح بين اندفاعاتنا البريئة المعطرة الأوقات ، بلا جرس وبلا طقوس مكلفة او متكلفة كنا مثل كتاكيت حب نتسلل ونتناسل بين عيون حارس شهم حكيم وبين منظفة وطباخة تملأ فجوات الضوء ببهائها الشائع ولغتها المتناسقة الأغصان على باحة الأقسام كنا أمراء زمن يتقطر شهد الإحساس
، كنا نتوه سكون المدرسة ذات اللون الأصفر تتعربد به ألوان الورود على جذواتها الخلابة ،
كنا كمن يوطن نبضه بين خيول الماء وخصوب الوهج وعلى وجوهنا كانت بصمة ناصعة من معارف تربوية يرسخها محيطنا الأخضر ، كان الماء يحرسنا ويلاحق خفقاتنا في كل مكان حتى أن اصطفاف البط على جنبات السواقي أوعز لنا نظاما تربويا يمزج روعة الصفوف المستقيمة والمتوازية في نسق الألفة والانشراح ،
مدرستنا القديمة لم تعد كما كانت أيامنا السابحات ، وصفوفنا التي أورقت عنفواننا الربيعي تلاشت مع غربة الماء
لكن المكان لا يزال ينبض جذورنا رغم الشجن في شوك الكساد .
محمد محجوبي الجزائر




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات