رفّ (ق ق) _ حلمي أبو حجاب
أَنَا القَمِيصُ...
أَتَذْكُرُ؟
يَوْمَ كُنْتَ تَنْفُضُ عَنِّي غُبَارَ الدُّكَّانِ كَأَنَّكَ تَنْفُضُ عَن قَلْبِكَ وَحْشَةَ العُزْلَةِ، وَتَحْمِلُنِي إِلَى البَيْتِ مَحْمُولَ الفَرَحِ، حَتَّى خُيِّلَ لِلْمِرْآةِ أَنَّهَا أَنْجَبَتْ لَكَ وَجْهًا جَدِيدًا.
كُنْتُ أَعْرِفُ مَوَاسِمَكَ كُلَّهَا.
أَعْرِفُ ضَحْكَةَ العِيدِ حِينَ تَتَعَلَّقُ بِأَزْرَارِي، وَأَعْرِفُ رَائِحَةَ الطُّرُقِ وَهِيَ تَعُودُ مَعَكَ مُتْعَبَةً إِلَى المَسَاءِ.
وَأَعْرِفُ أَنَّكَ كُنْتَ تُحِبُّنِي.
نَعَم...
كُنْتَ تُحِبُّنِي حَتَّى إِنَّ أَوَّلَ بُقْعَةٍ سَقَطَتْ عَلَى صَدْرِي أَفْزَعَتْكَ أَكْثَرَ مِمَّا أَفْزَعَتْنِي.
ظَلَلْتَ تَفْرُكُهَا كَأَنَّكَ تَنْتَزِعُ شَوْكَةً مِنْ قَدَمِ ابْنِكَ.
وَحِينَ انْفَلَتَ زِرِّي الأَعْلَى جَلَسْتَ تُرَمِّمُنِي بِعِنَايَةِ جَرَّاحٍ يُخِيطُ جُرْحًا عَزِيزًا.
فَقُلْ لِي...
مَاذَا جَرَى بَعْدَ ذَلِكَ؟
مَتَى انْقَلَبَتِ البُقْعَةُ مِنْ جُرْحٍ تُدَاوِيهِ إِلَى تُهْمَةٍ تُدِينُنِي؟
وَمَتَى صَارَ الشَّيْبُ الَّذِي نَبَتَ فِي بَيَاضِي جَرِيمَةً لَا تُغْتَفَرُ؟
فَقَدْ جَاءَنِي التَّعَبُ كَمَا يَجِيءُ إِلَى البَشَرِ.
اصْفَرَّ وَجْهِي قَلِيلًا.
وَتَرَهَّلَتْ يَاقَتِي قَلِيلًا.
وَتَمَرَّدَ خَيْطٌ صَغِيرٌ فَجَرَّ خَلْفَهُ قَبِيلَةً مِنَ الخُيُوطِ الشَّارِدَةِ.
وَكُنْتُ أَنْتَظِرُ...
أَنْ تَغْفِرَ لِي كَمَا يُغْفَرُ لِلشَّيْبِ.
أَنْ تُبْقِيَنِي كَمَا تُبْقِي الصُّوَرَ القَدِيمَةَ.
أَنْ تَضَعَنِي فِي آخِرِ الخِزَانَةِ بَيْنَ أَوْرَاقِكَ العَتِيقَةِ وَرَوَائِحِ الأَعْوَامِ.
لَمْ أَكُنْ أَطْمَعُ فِي العَوْدَةِ إِلَى كَتِفَيْكَ.
وَلَا فِي مُوَاكِبِ العِيدِ.
وَلَا فِي مَرَاتِبِ الأَنَاقَةِ.
كُنْتُ أُرِيدُ فَقَطْ...
رَفًّا صَغِيرًا.
رَفًّا يَتَّسِعُ لِكُلِّ مَا عِشْنَاهُ مَعًا.
رَفًّا أَنَامُ عَلَيْهِ كَجُنْدِيٍّ أَكْمَلَ حُرُوبَهُ وَأُحِيلَ إِلَى وَقَارِ الذِّكْرَى.
لَكِنَّكَ...
لَمْ تَفْعَلْ.
أَلْقَيْتَنِي فِي مَمْلَكَةِ القُدُورِ.
فَصِرْتُ أَرْفَعُ بِوَجْهِي حُمَّى الغَلَيَانِ.
وَأَتَلَقَّى لَطْمَاتِ البُخَارِ كُلَّ يَوْمٍ.
وَأَكْشِفُ أَغْطِيَةَ الطَّعَامِ حَتَّى احْتَرَقَتْ ذَاكِرَتِي بِرَائِحَةِ الزَّيْتِ وَالدُّخَانِ.
ثُمَّ هَبَطْتُ أَكْثَر...
إِلَى البِلَاطِ.
أَنَا الَّذِي حَمَلْتُ يَوْمًا هَيْبَةَ كَتِفَيْكَ،
صِرْتُ أَحْمِلُ وَحْلَ الأَقْدَامِ.
وَأَنَا الَّذِي حَفِظْتُ شَكْلَ جَسَدِكَ سِنِينَ،
صِرْتُ أَمْسَحُ مَا يَسْقُطُ مِنْ فُتَاتِ المَوَائِدِ.
وَهُنَا...
لَمْ أَحْزَنْ لِأَجْلِي.
بَلْ حَزِنْتُ لِأَجْلِكَ.
لِأَنَّنِي اكْتَشَفْتُ شَيْئًا مُرِيرًا:
أَنَّكَ كُنْتَ تُحَارِبُ أَوَّلَ بُقْعَةٍ فِيَّ بِشَرَاسَةِ المُحِبِّ،
لَكِنَّكَ لَمْ تُحَارِبْ أَوَّلَ بُقْعَةٍ أَصَابَتْ وَفَاءَكَ.
فَيَا صَاحِبِي...
لَوْ أَنَّكَ طَوَيْتَنِي مَرَّةً أَخِيرَةً،
وَوَضَعْتَنِي عَلَى رَفِّ الذِّكْرَيَاتِ،
لَمُتُّ سَعِيدًا.
أَمَّا الآن...
فَإِنِّي كُلَّمَا احْتَرَقَ وَجْهِي عَلَى فَمِ قِدْرٍ جَدِيدٍ،
أَسْأَلُ نَفْسِي:
أَكُنْتُ أَقَلَّ مِنْ صُورَةٍ قَدِيمَةٍ احْتَفَظْتَ بِهَا؟
أَمْ أَنَّ الأَشْيَاءَ حِينَ تَشِيخُ...
يُسْمَحُ لَهَا أَنْ تُلْقَى، وَلَا يُسْمَحُ لَهَا أَنْ تَبْقَى؟
وَإِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا...
فَلِمَاذَا أَحْفَظُ مَقَاسَ كَتِفَيْكَ إِلَى الآن؟
وَلِمَاذَا مَا زَالَتْ خُيُوطِي، عَلَى كَثْرَةِ مَا تَمَزَّقَتْ، تُنَادِيكَ كُلَّمَا مَرَرْتَ؟
كَأَنَّ الوَفَاءَ، يَا صَاحِبِي،
هُوَ آخِرُ مَا يَبْلَى فِي الأَشْيَاءِ.
بقلمي: حلمي ابو حجاب
Helmy Abohegab




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات