»نشرت فى : الأربعاء، 6 مايو 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

شكوى الغيوم _ طاهر عرابي


 شكوى الغيوم


قصيدة للشاعر طاهر عرابي

دريسدن – 12.03.2023 | نُقّحت 06.05.2026



1


شكوى الغيوم بلا مجيب،

والريح تتواطأ عليها في السماء،

ولا غيمة تعرف إلى أين تمضي،

حتى لو انحنت للريح،


يمضي الجميع في فضاءٍ موحش،

يتكئون على جهلٍ لا يهتدي

إلى موضع العلّة في النفس.


ومن هذا العمى…

يكذبون،

ويتجنبون الحوار،

ويتفرجون على أحزانٍ نبتت من النقمة،

ويشعرون ببراءةٍ

لا يسألهم عنها أحد.


صار المرضُ أرحمَ من الوعي.


العمالقة كادوا أن يكونوا عبثًا،

حملاً ثقيلاً على القوة،

لولا ما تبقّى فيهم…

فمضوا مترفين بالشقاء.


والغيم، ذاك المسكين،

يوزّع قلقه على الجهات،

لعلّه يبدّد ألم الرحيل.


2


ما أصعب أن تجوب السماء في كلّ الفصول،

أن تظلّ وفيًّا دون شكوى،


فالشكوى…

ترفُ من يقف على الحياد.


ولا تنجو من شمسٍ

تجمع ماء البحيرات،

وتعيده إلى غيومٍ منهكة،


في رحيلٍ دائريّ

داخل بركة السماء.


من يرقى لهذا النحيب غير الغيوم؟


إنها وليدة الندى المسروق،

تمضي عمرها في خفّة الجهل،


فتمطر:

على وردةٍ تتحدّى العطش،

أو على صحراء لا تعرف الشبع،

أو على صخرة

تنزف أحزان البراكين القديمة.


3


سيبقون معلّقين

بحبالٍ لا تصل،

لا عزاء لهم

سوى صبرٍ وحسرة.


لسنا وحدنا في جهل الطريق.


فلكي نبقى،

تعرف الغيمة أنها وُلدت من الماء،

وأن كلّ نبعٍ

رمَدَت عيناه من كثرة الدموع.


وتعرف أيضًا:

أنه لو استقرّت الأرض—

حتى للعاشقين—

لما خُلقت للحمام أجنحة،

ولما فرح في السماء

من ضاقت به الأرض.


4


سينزل المطر،

وتخمد الغيوم،

وتفرح—إن أرادت—

بلا برقٍ ولا رعد.


لا يطولُ اليأسُ وقوفه

حين تمشي الغيومُ بلا ظلّ.


والغيمة تعرف:

أن الصياد في القارب،

حين تهبّ الريح،

لا يحتمي بمجداف،

ولا ينتظر نجاة،


بل يصبر

على عبث الأمواج،

وعلى جهلهم

بلذّة الصيد.


الحزنُ يقف عند حافة الخوف،

ولا يعبره،

والندمُ ظلٌّ يتراجع مع الريح.


ويبقى العطاء

يمشي وحيدًا بين العابرين،

يوقظ ما نام فيهم.


5


غيمةٌ هربت من تحت

غطاءٍ أسود ثقيل،

وأمطرت حتى شحب لونها

وابيضّ وجهها،

ثم استراحت فوق قمة جبلٍ شامخ،


فقال لها:


تمردي كما تشائين،

لن تبلغي ألمي الدفين.


أنا هنا

أتلقى الريح،

وأحمل ثقلك من المطر…


يا ليتني مثلك

أستطيع أن أتغيّر.


وقال راعي الغنم،

مختبئًا قرب صخرة،

يراقب صراحة الجبل:


نحن لسنا مختلفين عن الغيمة،

وُلدنا مثلها،

ونمضي العمر

نبحث عن موضعٍ نستريح فيه.


لو أُعطيت الغيمة قلمًا ودفترًا،

وقيل لها: اكتبي…


لربما كتبت:

سطرًا حلوًا،

وسطرًا مرًا،

وسطرًا للحيرة،

وسطرًا ينام فيه الليل،


لأن لا أحد يعرف ما سيحدث،

حتى الصباح

يظل مختبئًا بين السطور.


هل لدى الغيمة أملٌ أن تبقى في السماء؟

وهل يتحرك الجبل خلف الأغنام؟


اتركوا دفاتركم مفتوحة،

ولا يهم عدد السطور،

المهم أن تكون الجملة الأولى

للذاكرة.


أما الأخيرة،

فلا تُكتب،

بل تبقى في القلب،

كنهرٍ خفيّ بين الغيم والينابيع.


نحن والغيمة في حيرةٍ واحدة،

ولا مخرج منها.


والسكونُ عبءٌ إن طال…


وهكذا…

نمضي

بين المطر والجبل.


دريسدن- طاهر عرابي

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة مجلة ملتقي شعراء العرب 2014 - 2015