»نشرت فى : السبت، 23 مايو 2026»بواسطة : »ليست هناك تعليقات

كعكة تسقط من السماء ( ق ق) _ حلمي أبو حجاب


 قصه قصيره:

كَعْكَةٌ تَسْقُطُ مِنَ السَّمَاءِ



في صباحِ العيدِ، حين كانتِ المدينةُ تلبسُ ضحكتَها المصنوعةَ من الضوضاءِ والبالوناتِ ورائحةِ السُّكرِ المحروق، كان هناك طفلٌ صغيرٌ يجلسُ على قارعةِ الطريق كأنّهُ نسيانٌ قديمٌ سقطَ من جيبِ الحياة.


لم يكن يتجاوزُ الثالثةَ من عمره.

جسدٌ نحيلٌ كعودِ ثقابٍ مبتل، يرتدي "تيشيرت كت" باهتًا، لا بنطالَ يسترُ ارتجافَ ساقيه، ولا حذاءَ يحمي قدميه من خشونةِ الأسفلت الذي بدا كأنّهُ يأكلُ اللحمَ ببطء.

عيناهُ واسعتان بصورةٍ موجعة، كأنّ الفقرَ حين يعجزُ عن الكلام يتحولُ إلى عينين.


وكان يمسكُ بيدهِ كنزًا.


كعكةً صغيرة.

دائريةً، هشةً، مغطاةً بسكرِ البودرةِ وبعضِ السمسم، لكنها في يدهِ لم تكن كعكة… بل كانت وطنًا كاملًا.

غير أن الذبابَ كان يحاصرها كما تحاصرُ الغربانُ جثةَ حلمٍ ميت.

وكان الطفلُ يلوّحُ بها كلَّ لحظةٍ ليطردَ الذبابَ عنها، بحركةٍ مرتبكةٍ تشبهُ دفاعَ أمٍّ فقيرةٍ عن طفلها الأخير.


وفي الجهةِ الأخرى من الشارع، كانت الحياةُ تسيرُ بوقاحة.


أطفالٌ ممتلئون بالنعمة، يركضون بثيابٍ جديدةٍ لامعة، يحملون مسدساتِ الماء، ويصرخون بضحكاتٍ حادةٍ كأنها تُطلقُ الرصاصَ على العالم.

كانوا في طريقهم إلى الملاهي، تسبقهم روائحُ العطورِ الباردةِ وأصواتُ أمهاتهم وفرقعاتُ الألعاب.


وحين رأوه… تباطؤوا.


لم تلفتْ نظرهم عيناهُ الجائعتان،

ولا ركبتاهُ المتسختان،

ولا جسدهُ الذي يشبهُ سؤالًا مهملًا عند بابِ الله.


كلُّ ما رأوه… هو الكعكة.


اقتربَ أحدهم وقال: — "هاتها."


ضمّها الطفلُ إلى صدره فورًا، كأنّهُ يخشى أن تُنتزعَ منه روحُه.

هزَّ كتفيه الصغيرتين بعناد، وأدار وجهه بعيدًا.


ضحكوا.


قال آخر: — "لو ما اديتناش ياها… هنضربك."


كان التهديدُ أكبرَ من قلبهِ الصغير.

نظر إليهم، ثم إلى كعكته، ثم نهض فجأةً وركض.


ركضَ كأنّ الشارعَ كلهُ صار فمًا يريدُ ابتلاعَه.

والأطفالُ خلفه يطاردونه بضحكاتٍ متوحشة، فيما كانت مسدساتُ الماء تُطلقُ خيوطًا باردةً على ظهره النحيل كأنها سهامُ سخرية.


كان يركضُ والكعكةُ في يدهِ ترتجفُ معه،

حتى تعثرتْ قدمُهُ بحجر.


وسقط.


سقطَ بعنفٍ حتى بدا وكأنّ الأرضَ صفعتهُ بكلِّ قسوتها دفعةً واحدة.

وانزلقتِ الكعكةُ من يده، تدحرجتْ ببطءٍ فوق التراب، والتصقَ بها الغبارُ كما يلتصقُ الحزنُ بأرواحِ الفقراء.


توقّفَ الأطفال.


ثم انفجروا ضاحكين.


ضحكاتٌ كثيرة… عالية… قاسية…

ضحكاتٌ كانت كافيةً لتحطيمِ قلبِ مدينةٍ كاملة.


أما هو…

فلم يبكِ لأنهم طاردوه،

ولا لأنهم هددوه،

بل بكى وهو ينظرُ إلى الكعكة.


نظرَ إليها كما ينظرُ عاشقٌ إلى حبيبتهِ بعد حادثٍ مروّع.

كانت ملقاةً في التراب، وحيدةً، مسحوقةَ السكر، كأنّ العالمَ كلهُ تآمرَ عليها.


ثم رحلوا.


رحلَ الأطفالُ نحو الملاهي، نحو الأضواءِ والموسيقى والعرباتِ الدوّارة، بينما بقيَ هو وحدهُ في منتصفِ الطريق، كناجٍ أخيرٍ من حربٍ لا يفهمُها.


سادَ صمتٌ صغير.


حتى إنّ الذبابَ بدا وكأنهُ توقفَ احترامًا للحظة.


اقتربَ الطفلُ ببطء.

ركبتاهُ ترتعشان، وأنفهُ يسيل، ودموعهُ مخلوطةٌ بالتراب.

ثم جلس أمام الكعكة كما يجلسُ مؤمنٌ أمام معجزته الأخيرة.


رفعها بحنان.


وأخذ ينظفها بطرفِ يدهِ الصغيرة.

نفخَ عليها طويلًا، فسقطَ التراب، ثم سقطَ السكر، ثم السمسم، ثم حتى الذبابُ يئسَ منها وطار.


ولم يبقَ… إلا الكعكة نفسها.


عارية.

صغيرة.

باهتة.


لكنها كانت لا تزالُ كعكة.


ابتسم.


ابتسامةً خفيفةً جدًا…

تلك الابتسامةُ التي لا يعرفها إلا الذين تصالحوا مع الخسارة.


ثم رفعها إلى فمه.


وأكلها كاملةً ببطء، كأنّهُ يبتلعُ العالمَ قبل أن يبتلعَه العالم.


وحين انتهى…

وقف.


مسحَ وجههُ بظهرِ يده، ثم جرى فجأةً خلف فراشةٍ صفراء ظهرت قرب الرصيف، وأخذ يضحك ويغني بكلماتٍ غير مفهومة، كأنّ قلبهُ لم يتعلم بعد كيف يحتفظُ بالألم.


وكان يجري خلف الفراشة،

فيما العيدُ خلفهُ يواصلُ صخبهُ الأعمى،

والشمسُ فوقهُ تلمعُ بحزنٍ ذهبيّ،

إلى أن اختفى تمامًا عند آخر الشارع…


كأنّهُ لم يكن طفلًا،

بل دعاءً صغيرًا مرَّ سريعًا في قلبِ الله.


بقلمي: حلمي ابو حجاب 

Helmy Abohegab

    اضف تعليقاً عبر:

  • blogger
  • disqus

الابتسامات

0102030405060708091011121314151617181920212223242526272829303132333435363738394041424344

design by : bloggerinarab, powered by : blogger
كافة الحقوق محفوظة لمدونة مجلة ملتقي شعراء العرب 2014 - 2015