ملحمة الفعال والمَقال _ محمد أبو شِدّين
بقلمي محمد أبو شدين
الحُبُّ نَبْضٌ فِي العُرُوقِ تَظَاهَرَا
مَا كَانَ يَوْمًا فِي الشِّفَاهِ خَوَاطِرَا
دَعْ عَنْكَ سَجْعَ اللَّفْظِ إِنَّ حُرُوفَهُ
تَفْنَى إِذَا لَمْ تَلْقَ فِعْلًا نَاصِرَا
إِنَّ المُحِبَّ إِذَا أَحَبَّ حَبِيبَهُ
صَنَعَ المَحَالَ وَعَاشَ فِيهِ مُجَاهِرَا
بَذَلَ الرِّعَايَةَ فِي الخَفَاءِ كَأَنَّمَا
يَبْنِي مِنَ الإِيثَارِ صَرْحًا عَامِرَا
قَوْلُ الغَرَامِ بِلا فِعَالٍ كِذْبَةٌ
تَذْرُوهُ أَيَّامُ البَلاءِ هَوَاجِرَا
فَاجْعَلْ حَيَاتَكَ لِلْحَبِيبِ مَوَاقِفًا
فَالفِعْلُ يَبْقَى فِي القُلُوبِ مُسَافِرَا
تَمْشِي المَوَاقِفُ وَالعُهُودُ شَوَاهِدًا
تَذَرُ السَّرَابَ لِمَنْ يَظُنُّ مَفَاخِرَا
لَا يَنْفَعُ الوَعْدُ المُنَمَّقُ فِي الأَسَى
إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الشَّدَائِدِ حَاضِرَا
كَمْ مِنْ كَلَامٍ كَالسَّحَابِ خِدَاعُهُ
وَيَمُوتُ لَهْفًا مَنْ رَجَاهُ بَوَاكِرَا
الصِّدْقُ غَيْثٌ بِالفِعَالِ نُزُولُهُ
تَسْقِي الوِدَادَ فَتَسْتَفِيقُ نَوَاظِرَا
فَاطْرَحْ حَدِيثَ العَاشِقِينَ تَبَجُّحًا
وَانْظُرْ لِمَنْ يَرَعَى العُهُودَ مُثَابِرَا
مَنِ اكْتَفَى بِالأَمَانِي فِي صَبَابَتِهِ
رَأَى المَسَارَاتِ فِي الأَهْوَاءِ دَوَائِرَا
فَلَا تَقِسْ عُمُرَ وَصْلٍ بِالعُهُودِ فَمَا
لَمْ تَلْقَ فِي سَاحَةِ الأَيَّامِ مَحَاوِرَا
مَعَادِنُ النَّاسِ تَصْفُو فِي مَوَاقِفِهَا
كَالطِّبْرِ يَظْهَرُ بَعْدَ النَّارِ نَادِرَا
خُذْهَا نَصِيحَةَ مَنْ خَبِرَ اللَّيَالِيَ
وَغَدَا بِأَسْرَارِ القُلُوبِ مُبَاصِرَا
لَا يَعْشَقَنَّ الرَّأْسُ غَيْرَ جَوَارِحٍ
جَعَلَتْ طَرِيقَ الِارْتِقَاءِ مَنَائِرَا
مَنْ لَمْ يُقِمْ لِلْحُبِّ صَرْحَ كَرَامَةٍ
بِالفِعْلِ، كَانَ عَلَى الوِدَادِ مُقَامِرَا
فَاطْوِ السِّجِلَّ وَكُنْ لِنَفْسِكَ حَارِسًا
وَاجْعَلْ يَقِينَكَ بِالمَوَاقِفِ قَاهِرَا
فَالحُبُّ لَيْسَ رِوَايَةً نَمْشِي بِهَا
بَلْ قَلْبَ حُرٍّ قَدْ أَصَابَ بَصَائِرَا
فَالصَّمْتُ بِالفِعْلِ صَوْتٌ لَا حُدُودَ لَهُ
يَدُكُّ عَرْشًا مِنَ الأَوْهَامِ جَائِرَا
وَمَنْ يَخُطُّ سُطُورَ العِشْقِ مِنْ دَمِهِ
يَذَرْ جَمِيعَ كَلَامِ النَّاسِ غَابِرَا
صَفْوُ الوِدَادِ صَنِيعٌ صَانَهُ صَدَفٌ
يَجْلُو الصُّدُودَ وَيُحْيِي الظِّلَّ زَاهِرَا
يَا عَاذِلَ الفِعْلِ هَلْ أَبْصَرْتَ مَكْرُمَةً
تَبْنِي العُلَا لِلْفَتَى مَا لَمْ يُجَاسِرَا؟
نَطْوِي الفَضَاءَ بِعَزْمٍ لَا مَثِيلَ لَهُ
وَنَتْرُكُ القَوْلَ فِي الأَسْفَارِ دَابِرَا
فَالجُودُ بِالرُّوحِ أَعْلَى مَا يَجُودُ بِهِ
قَلْبٌ أَبِيٌّ يَصُدُّ الكَوْنَ ذَاعِرَا
سَلِ الفَلَكَ الرَّحِيبَ بِكُلِّ جُرْمٍ
. أَلَيْسَ بِسَعْيِهِ يَمْضِي مُعَاصِرَا؟
وَمَا خَلَقَ الإِلَهُ النُّورَ يَوْمًا
لِيَقْهَرَ كُلَّ لَيْلٍ كَانَ كَافِرَا
فَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ الأَفْعَالَ حَقًّا
يَعِشْ بَيْنَ الخَلَائِقِ عَابِرَا
خُطُوطُ النَّصْرِ تَكْتُبُهَا مَوَاضٍ
تُشِعُّ نَدًى وَتَتْرُكُهُ جَوَاهِرَا
خُذْهَا قَوَافِيَ حَقٍّ لَا مِرَاءَ بِهَا
تَبْقَى عَلَى جَبْهَةِ الأَيَّامِ ظَاهِرَا
فَكُنْ مَلِيكَ الفِعَالِ الغُرِّ لَا تَكِلَنْ
يَظَلُّ حَرْفُكَ فِي ذِكْرَاكَ سَاهِرَا
كَمْ ذَا يُعَلِّلُنَا السَّرَابُ بِوَعْدِهِ
حَتَّى كَبِرْنَا وَلَمْ نُبْصِرْ مَطَامِرَا
فَالصِّدْقُ سَيْفٌ فِي الأَنَامِ مُجَرَّدٌ
يَقْطَعُ حِبَالَ الزُّورِ لَا يَخْشَى مَعَاثِرَا
مَنْ ظَنَّ أَنَّ العِشْقَ سَطْرٌ خَطَّهُ
بِالرِّيشِ، أَضْحَى بِحُبِّهِ بَائِرَا
هِيَ صَرْخَةُ الأَيَّامِ تَنْطِقُ بِالفِدَا
لَا تَقْبَلُ التَّسْوِيفَ أَوْ مَنْ كَانَ شَاطِرَا
فَاجْعَلْ صَنِيعَكَ فِي الحَيَاةِ مَنَارَةً
تَهْدِي القُلُوبَ وَتَسْتَفِيزُ جَبَابِرَا
نَسْرِي عَلَى شَفَرَاتِ المَوْتِ نَحْوَكُمُ
وَالقَوْلُ يَجْثُو عَلَى الأَعْتَابِ خَائِرَا
مَنْ يَسْتَعِيرُ دُمُوعَ الغَيْمِ فِي الهَوَى
يَبْقَى طِوَالَ المَدَى فِي الصِّدْقِ دَاخِرَا
قَدْ شَقَّتِ الأَفْعَالُ لِلْأَرْوَاحِ نَفَقًا
تَذَرُ النَّهَارَ بَعِيدَ الفَجْرِ بَاهِرَا
فَلَا تَقُلْ نَحْنُ مَنْ طَارَتْ أَسِنَّتُهُ
إِنْ لَمْ تَكُنْ فِي لَظَى الهَيْجَاءِ ضَامِرَا
نَحْنُ الذِينَ جَعَلْنَا الصَّمْتَ مَلْحَمَةً
تَطْوِي الكَلَامَ وَتَبْنِي المَجْدَ ظَاهِرَا
شَابَ الزَّمَانُ وَفِعْلُ حُبِّكَ نَاشِرٌ
مَجْدًا يَظَلُّ عَلَى الدُّهُورِ مُحَاضِرَا
أَطْلَقْتُ فِعْلِي فِي هَوَاكَ فَلَمْ أَذَرْ
لِلْجِنِّ وَالإِنْسِ العَظِيمِ مَعاذِرا
هِيَ ثَوْرَةُ الأَفْعَالِ تَجْرِفُ مَنْ لَهُمْ
قَوْلٌ رَخِيصٌ، وَلَا تَهَابُ كَوَاسِرَا
فَاسْكُنْ مَقَامَ الصِّدْقِ تَلْقَ مَشَاعِرِي
طَوْدًا مَنِيعًا لَا يَخَافُ نَوَاحِرَا
زَلْزَلْتُ أَرْكَانَ المَقَالِ بِصَادِقٍ
مِنْ نَبْضِ قَلْبِي إِذْ بَعَثْتُ مَقَابِرَا
نَسَجَ الوَفَاءُ لَنَا خُلُودًا مُعْجِزًا
يَذَرُ العُقُولَ مَعَ القُلُوبِ حَوَائِرَا
قَلَّبْتُ بَحْرَ القَوَافِي فِيكَ مُبْتَكِرًا
لِتَقْطِفَ مِنْ جَوَاهِرِهَا دَوَاخِرَا
سَأَسْكُبُ مَعْبَدَ الأَفْعَالِ حِسًّا
يَشُقُّ بَصِيرَةً وَيُرِي بَشَائِرَا
مَا نَفْعُ فُلْكٍ بِجَوْفِ اليَمِّ رَاسِيَةٍ
إِذَا المَقَالُ غَدَا فِي المَوْجِ جَزَائِرَا
خُذِ الدُّرَرَ الَّتِي مَا صَاغَ جِنٌّ
لَهَا شَبَهًا، وَلَا جَادَتْ مَنَابِرَا
بَنَيْتُ لَكَ القَوَافِيَ رَاسِيَاتٍ
تَهُزُّ النَّفْسَ وَالعَقْلَ المُعَاصِرَا
تَبْكِي الحُرُوفُ إِذَا غَدَتْ مَهْجُورَةً
وَالفِعْلُ صَارَ لِكُلِّ نَجْمٍ آسِرَا
طَارَتْ صُقُورُ الفِعَالِ الغُرِّ شَاهِقَةً
وَخَلَّفَتْ أَلْسُنَ الأَوْهَامِ سَوَاقِرَا
فَالقَوْلُ قَبْرٌ عَمِيقٌ جَفَّ مَنْبَعُهُ
وَالفِعْلُ بَعْثٌ يُعِيدُ المَيْتَ قَاهِرَا
فَكَمْ حَدِيثٍ كَمِثْلِ الِانْكِسَارِ بَدَا
تَحَطَّمَ العُمْرُ فِيهِ إِذْ بَدَا مَاكِرَا
خُذْ مَأْمَنَ الصِّدْقِ إِنَّ الحُبَّ مَمْلَكَةٌ
لَا تَقْبَلُ الزَّيْفَ أَوْ مَنْ كَانَ مَائِرَا
وَاجْعَلْ يَقِينَكَ نَهْرًا مِنْ مَوَاقِفِهِ
يَسْقِي الخُلُودَ وَيَبْنِي الكَوْنَ فَاخِرَا
صِيغَتْ مَوَاقِفُنَا لِلْعِشْقِ أَوْدِيَةً
تَسْقِي الوِدَادَ وَتَذَرُ الشَّكَّ دَاحِرَا
نَقْشُ الفِعَالِ عَلَى صَخْرِ الزَّمَانِ غَدَا
نُورًا يُبَدِّدُ لَيْلًا كَانَ غَائِرَا
قَدْ جِئْتُ بِالأَمْرِ حَسْمًا لَا شَبِيهَ لَهُ
وَالحَرْفُ يَجْثُو لِفِعْلِ الحُرِّ صَاغِرَا
مَنْ ظَنَّ أَنَّ سَمَاءَ الوَصْلِ تُمْطِرُهُ
بِالوَهْمِ، أَضْحَى بِنَاءُ مَدَى الأَيَّامِ خَاسِرَا
فَاجْعَلْ صَنِيعَكَ طَوْدًا لَا يَزُولُ مَدًى
يَبْقَى عَلَى جَبْهَةِ التَّارِيخِ مَاطِرَا
بقلم /محمد أبو شدين/ مصر
(13/5/2026)




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات