عطارد _ محمود متولي
بقلم: محمود متولي
رأيتُ الصباحَ يُصافحُ ليلَهُ،
فقلتُ: لعلَّ الضياءَ اقتربْ.
وسألتُ عطاردَ: أينَ النجومُ
إذا نامَ في أفقِها التعبُ؟
تبسَّمَ، ثمَّ مضى مسرعًا،
وقالَ: سأرجعُ... فلا تعجبْ.
يمرُّ على الشمسِ يسألُها:
أفيكِ ابتداءُ ضياءِ الحُقُبْ؟
فقالتْ: أُضيءُ، ولكنَّني
أُحبُّ إذا شاركني مَنْ أحبْ.
ومرَّ على البدرِ في ليلِهِ،
وكانَ الوقارُ عليه انسكبْ.
فقالَ القمرُ: أُضيءُ الدروبَ،
ولولا المحبَّةُ ما اقتربْ.
وسارَ إلى نجمٍ في السماءِ،
يُلوِّحُ للسائرينَ إذا اغتربْ.
فقالَ النجمُ: أميلُ إليهمُ،
ليعرفَ تائهُهم أينَ ذهبْ.
ومرَّ بزُحلَ بينَ الحِلَى،
تدورُ الحلقاتُ كعهدٍ ذهبْ.
فقالَ زُحلُ: يدورُ الزمانُ،
ويبقى الجميلُ إذا ما ثبتْ.
ثمَّ أقبلَ نحوَ الزُّهرةِ،
وكانَ المساءُ بها قد طَرِبْ.
فقالَ: رأيتُ الجميعَ هنا،
فما سرُّ هذا الجمالِ العجبْ؟
تبسَّمَتِ الزُّهرةُ في هدوئِها،
وقالتْ: ليسَ الجمالُ الذهبْ.
ولكنَّهُ قلبٌ إذا مرَّ يومًا،
أراحَ القريبَ ومَسَّ التعبْ.
هو اللينُ... حتى يلينَ الكلامُ،
وهو الصدقُ... حتى يطيبَ الأدبْ.
هو أن يحملَ المرءُ نورًا هادئًا،
فتزهرَ من حولهِ كلُّ دربْ.
هو أن يجعلَ الغيرَ يبدو أجملَ،
وذاكَ الجمالُ الذي يُنتسبْ.
الشموسُ لنا دفءُ أيَّامِنا،
والقمرُ السكينةُ إذا احتجبْ.
وعطاردُ يحملُ أخبارَنا،
وزُحلُ يحرسُ عهدَ الحُقُبْ.
وكلُّ الكواكبِ، مهما دنتْ،
إذا اجتمعتْ... صارَ كونٌ رحبْ.
فعادَ عطاردُ يروي إليَّ،
وفي وجهِهِ بسمةٌ لم تغبْ.
وقالَ: سألتُ الجميعَ طويلًا،
فما قالَ واحدُهم: أنا السببْ.
ولكنَّهُم أجمعوا أنَّ نورًا،
يُقيمُ القلوبَ إذا اضطربتْ.
فقلتُ: وأينَ وجدتَ الضياءَ؟
فقالَ: بقلبٍ يُحبُّ... فحسبْ.
فعُدتُ، وقد هدأَ السؤالُ،
وصارَ الجوابُ هو المُقتربْ.
ومنذُ سمعتُ حديثَ السماءِ،
أيقنتُ أنَّ الجمالَ... أدبْ.
.
شاعرالكنانة




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات