لا تُحاور مرآة _ طاهر عرابي
طاهر عرابي
دريسدن – 28.06.2025 | نُقّحت: 07.07.2026
⸻
مِرآةُ الصبحِ الدافئ
باتتْ ليلتَها فوقَ الموقد،
النارُ تستعرُ
بوحشيّةٍ لا تُدركُ معناها،
والبردُ يُحارِبُ مَن فيه دمٌ حارّ.
قَطَراتٌ من بُخارٍ
ظنَّت أنها تخلّصت من شكلِها،
تكوَّرت في الفراغ،
ثمّ ساحت على الشُبّاك —
لا ثلجَ، لا مطر،
بل شيءٌ مقهورٌ
لا ينوي حتى الاحتماء بدفءٍ يرفضه.
أنا… مع مَن أتكلّم؟
موقدٌ، ومرآة، ولحافٌ
ظنّ نفسَه كفنًا لليل.
ما أروع أن يصمت الصوت
ولا يجد من يستدعيه.
قالتِ المرآةُ:
صباحُ الخير،
يا سيّد الرماد…
كأنّ الهواء احترق ليلًا
وطلاك بسكينه.
لم يمسسني سوءٌ من كلّ هذا،
غير أنّي لا أُفكّر.
ظللتُ صامتةً
حتى مرّت الشياطينُ،
هربوا من لهيبٍ يعرف أسماءهم،
وبقيتُ أُسلّي نفسي
بجمعِ الغبار
كخندقٍ تركته المعارك.
هل تُحطّمني على الموقد؟
والنارُ — بعدَ حرقِ الروح — ليست نارًا،
تصير مألوفة،
فيتزوّجها القهرُ،
ويزفّها الرمادُ إلى الانتحار،
ولن تذكُرَك،
حتى ولو كنتَ غافيًا،
وديعَ النوم،
ميتًا في وعدٍ
تنساه لتذكرني.
ونبقى…
أنا وأنت،
أتحمّلُ وجهكَ إن غضب.
قلتُ — والغضبُ الصباحيُّ
يُحطّمُ الشفاه،
والعيونُ تزيحُ الرَّمَد،
كمثلِ كومةِ ثلجٍ
كوّمتها الريح بلا اعتبار:
يا مرآتي،
مَن قال لكِ إنّي أملكُ عينين
تعكسان اللهب؟
مَن حدّثكِ في صمتي أنا؟
مِن أين رأيتِ في وجهي كلَّ هذا الرماد؟
وأنا ما زلتُ أفركُ عينَيّ
من حُلمٍ بدّده صوتُ الديك،
أو أزعجه صوتُ مرآةٍ
كانت تخشى الانكسار؟
أشعر أن هذا البناء أقوى؛ لأنه يترك الديك والمرآة معًا، لكن يجعل المرآة هي القوة الغام
حتى لو حطّمتُكِ،
ستصيرين شظايا
تعكسين الزمنَ
في قلبٍ مكسور…
وأنا سأبردُ بلا موقد،
وتطولُ لحيتي… ولا أدري.
والثلجُ سيبقى ثلجًا
يخشى الشمس،
والشمسُ تخشى المرايا،
والمرايا إن حزنتْ… تُشعل نارًا.
يا حسرتي،
أين أنا؟
وأنا الوحيدُ المحتار.
اصمت، صرختِ المرآةُ:
متى تعب أولئك الذين قالوا: «تعبنا»؟
وكيف نختلف معهم
في تحديد درجة التعب؟
لم أتعب، ولم أشكُ،
ولم أرَ في ذلك وقتًا لشيء.
لكنّي أجدُ في العزلة
نصيرًا موثوقًا
حين أريدُ عكسَ وجهِ مَن أُحب.
أمّا التعب،
فيشبه صراخَ الأشواك
على ساقِ الوردة.
سأدعك تصرخ حتى التعب،
فلكلّ حدسٍ شوقه لنفسه،
وللتعب نصيب.
نام… أنا لا أعرف النوم.
ستمرّ الأشباح
من خلف ستائر الشباك،
تراك غافيًا
وأنا أحرس الموقد.
ضع الحطب…
لأراه وكأنه صباحُك القادم.
دريسدن- طاهر عرابي




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات