تراتيل الظلّ والأسوار _ حسناوي سيلمي
بقلم: أ. حسْناوي سيلمي -الجزائر-
كم هو مضلل هذا الحجر! يظن العابرون أن الجدران محض طين وصخر، ولا يعلمون أن أعتى الأسوار هي تلك التي تنبت في صمت الروح، يحمي بها كبرياءه من صقيع الخيبات والخذلان الاجتماعي، ويغزل من عتمتها ثياباً للأمل.
يقف أمام أسوار الصمت العتيق، حيث تتحول الروابط الاجتماعية أحياناً إلى جبال من عدم الفهم. كم هو قاس عليه أن يعيش وسط محيط وجيران لا يشبهونه، فيتحول السعي نحوهم إلى عتاب مكتوم. بنى كبرياءه سوراً شاهقاً لكي لا يرى القريبون اهتزاز ثقته بهم، فينطوي على ذاته، مخبئاً خيبته خلف قناع الجمود المهشم، رافضاً استجداء ود عابر ممن لا يدرك قيمته فيصومعة الكبرياء البارد.
وحين يثقله هذا الزيف، يلوذ بالملاذ الآمن، فيغلق الباب هرباً من صخب النفاق الاجتماعي. هذه العزلة الاختيارية ليست انطواء في نظره، بل صومعة يرتب فيها فوضى نفسه، ويخلع أقنعة كان يرتديها لإرضاء الآخرين. هنا، يصنع من صمته وطناً حراً لا تدخله مجاملات مسمومة، مستعيداً نبض قلبه البكر بعيداً عن أوبئة البشر.
لكن، ما أقسى السور حين يرتفع رغماً عنه ليصير محبساً للروح ! حين تفرضه غربة تقطع حبال تواصله مع الأهل، أو فقد يترك مقاعد أحبته شاغرة، أو مرض يكبّل جسده. خلف هذا المحبس الجبري، تضيق غرفته، لكن روحه تتطلع بنهم نحو نافذة الأمل في أعلى السور؛ يضع رأسه على وسادة الحنين، مؤمناً أن القيود مهما ثقلت، فإن أجنحة اليقين كفيلة بأن تكسر السقف وتحلق في فضاء الله.
وهكذا، تذوب الحجارة في مرجل الوقت، وتغدو الأسوار محض ظلال واهية أمام سطوة الحقيقة. إن الجدران لم تكن يوماً حداً فاصلاً بين الذات والعالم، بل مرآة صقيلة لعمق مخاوفه، ومخاضاً لولادة وعيه البكر في فهم العلاقات.
سواء أكان الجدار كبرياء في وجه جحود الأقربين، أم ملاذاً من نفاق المجتمع، أم محبساً قسرياً بعيداً عن الأوطان؛ فإن العبور الحقيقي يبدأ حين ندرك أن مفتاح الخلاص كامن في كلمة واعية يقذف بها من عتمة المحبرة لتصير جسراً ضوئياً يربط الأرض بالسماء. خلف كل جدار يسقط، ثمة إنسان يعبر زورق الاعتناء الإلهي، ينفض ركام السنين، ويرفع صوته بالبوح ليملأ المدى؛ فالأرواح الاستثنائية لا تموت خلف الأسوار، بل تتخذ من الجدران منابر لتعلم الكون كيف يحلق بأجنحة الأمل.




اضف تعليقاً عبر:
الابتسامات